بين الأحلام المتخيّلة عند ترائي صورة مستقبل تودع وصاياه الإرشادية في متناول أجيال قادمة وبين طبائعنا القائمة على بناء عوالم واهمة تحرسها حكومات اعتادت قول ما لا تفعل.. بين الاحتماء بالآمال وإن ضاقت فرص تحققها وما تنطوي عليه سياسات الخداع من مكر بين هذا وذاك اختلاف عميق وتناقض جوهري كامل.

إننا نتسلى بالأمنيات للإفلات من عتمة الواقع.. ونخوض بالآمال معاركنا الضارية في مواجهة كوابيس الاستبداد وليس من سبب آخر يجعل الحياة ممكنة دون تطلعات بيضاء نعقدها على غد أفضل.

ذلك ما درجت عليه شعوبنا في الماضي وما تحسنه عند مقاومتها تعقيدات الحاضر، إنها منذ زمن بعيد تعتاش على ذمة الأمل المشروع بحتمية الانعتاق من محنة التخلف وما تنفك - وهي في أشد حالاتها تمزقاً واحتراباً - تفكر بوحدة الصف وتماسك العرى وتكامل القدرات.

نحن نفكر دائماً بوسائل كتلك التي يستحضرها الضعفاء لإبراء ذممهم تجاه مشاعر الانتقام المكبوتة خلف الضلوع.. تماما كما لو أن مسؤوليتنا تبرير مشروعية الحياة لكننا لا نبحث في الغالب أو لا نهتم كثيراً بماهيتها..

حياتنا دائماً لا تتعدى الدفاع عن تهيؤاتنا ناحيتها وستبدو بعض حكوماتنا في المقابل جاهزة لخوض الحروب وإنفاق الأموال الطائلة على المجهود الاستخباري للإجهاز على تصور العربي نفسه نسخة من أخ في قطر آخر أو رؤية مسلم حواسه الذهنية تقرأ السورة ذاتها كما يقرأها مسلم غير عربي..وفي النموذجين السوري، الإيراني ما يغني عن التفصيل.

و بهذا المستوى لا نكون عرباً ولا مسلمين؟

وفي سبيل معرفة الفارق بين آمال الشعوب وأوهام بعض الحكومات سوف نختار الأولى وننحاز معها لدلالتها على مجازفات الرغبة الذاتية في تحقيق الكيان الإنساني وإبداع رسالة الاستخلاف وإجراء التمارين العفوية تحيناً للحظة التاريخية السانحة التي تمكن من انطلاق ركب التغيير نحو الأفضل أو قل الخروج من النفق المظلم.. ولئن كانت هذه المقاربة على جانب من الصحة فكيف اذن نتعاطى مع الحالة الثانية حيث يغدو الوهم الخادع سياسة ممنهجة للتضليل وعملاً من أعمال الإعاقة إذ تقدم الأنظمة خططاً غير مدروسة وتقطع وعوداً غير جادة بهدف امتصاص الغضب وإلهاء مجتمعاتها عن إنضاج مقومات النهوض الكامنة في ذاتها..

الشعوب تتمنى وتحلم وتخترع مواويل فرائحية للتغلب على أتراحها وما تكف تبذل وسعها في سبيل تقديم أوراق اعتماد حضورها المتخيّل بين يدي المستقبل وهي تعمل ذلك دون مقابل وفي أوقات عصيبة يكون شغفها المكابر على سبيل (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) بينما تواصل الحكومات نهج الخداع على حساب الخزينة العامة فتقيم صروحاً زائفة وتشيّد عوالم من قش العنتريات الضالة .. وفي متواليات الخداع لا نرى النظم السياسية "الجملكية" تستهلك الموارد القومية فحسب وإنما تتعدى ذلك إلى إغراق شعوبها بالقروض الخارجية المقدمة من الدول والصناديق ذات العلاقة باستدامة تخلف أمتنا.

قال القذافي إن نهراً صناعياً سيفتح ينبوع الحياة لشعبه واُمته وبينما كان الرجل يعلن نفسه أميراً للمؤمنين ومبعوثاً إلى شعوب أفريقيا كانت الشوارع الخلفية في طرابلس وبنغازي تغرق بموبقات الظلام ولم تكن فتوحات الأسفلت زارت شوارعها الترابية.

إننا في الواقع لا ندفع أدنى كلفة ولو من قبيل التجريب ودراسات الجدوى لرعاية الآمال المنبثقة عن تطلعات شعوبنا على حين تنفق الحكومات ما يفوق الـ 80% من الموارد العامة دفاعاً عن وعودها الراعفة بالزيف.

ويوم لا تتقن بعض حكوماتنا خداعها فإن النظام العالمي الجديد يغمرها بفيض من إبداعاته لتنطلي على المجتمعات العربية والإسلامية خدعة الترسانة النووية لصدام حسين .. وبهذا الصدد تقول الرواية إن الأموال العراقية التي أنفقها صدام لإخفاء بعض أسلحته المستوردة من الخارج تفوق عشرات أضعاف قيمتها!

هل سمعتم عن الكهرباء النووية في آخر برنامج انتخابي للرئيس السابق، ها نحن نكتشف معجزاته بواسطة الشموع!

إشكالية التمييز بين تطلعات الشعوب وعنتريات الحكام تكمن في قابليتها للتحول إلى معضلة كبرى عند النظر إليها من زاوية أخرى.

إن الفارق بين الآمال والأوهام يأخذ شكلاً من أشكال التماثل في بعض الأحيان، إذ لولا الاستنزاف المادي الذي يمول أوهام بعض الأنظمة ما وجدنا فوارق رئيسة تجعل آمال الشعوب شيئا مختلفا عن أوهام تلك الحكومات فكما سقطت الجملكيات القوية ذات السيادة والمنعة والشرف الرفيع كذلك تنفرج أسارير الربيع العربي عن بهرجة أحلام شبيهة بقصائد الغزل النزارية تتضمنها عناوين مفرغة من الوعي بمتطلبات الهدف المرفوع ومضامين الهتاف الضاج.

المحصلة أنه ما من حزب أو نظام حكم أو حاكم يمكنه تسويق الوهم ولا خداع غيره ما لم يكن هذا الغير – جماعة أو مجتمعاً – يعتمر الكذب على نفسه!

نسأل.. عن أي دولة مدنية حديثة يتحدث هؤلاء الشباب؟ وما هو مثلها في برامج أحزابهم التقليدية؟

ما من إجابة واضحة.. ما من تصور جامع؟ وإزاء حال كهذه تتحول أوهام وخدع الأنظمة إلى فهلوات دموية تملأ الخواء وذلك موضوع تناولة قادمة عن المحددات الدستورية الحاكمة لما نعتقده دولة مدنية ترف بجناحين أرجوانيين في الهواء الطلق لكنها لا تستطيع الهبوط على مدارج الواقع ولهذا تتداولها أفواه ولا تسبر غورها عقول!