أن تكسر النمط وفق رؤية جلية واستشراف متيقن وحضور لمعطيات الفن وأسسه فذا يجعلك أحد المجددين والرواد الذين يسعد التاريخ بأن يضمهم بين دفتي سفره العظيم، وما صيحات النقد وتكريس محاذيره من الاقتراب من النمط أو مناورته إلا خشية تخريب الفن والعبث بأصوله وتقانته المؤسسة، ودخول أناس من غير ذوي الشأن فيما لا يعنيهم فيستحيل الفن إلى فوضى لا معنى لها ولا غاية.
يصدق ذلك في شتى أنواع الفنون من شعر وقصة وتشكيل وخط وموسيقى إلا أنه يبرز أكثر ما يبرز في المسرح، إذ ما يزال دعاة التقليد والمحافظة صامدين أمام هجمات التجريب التي طالما وصفوها بـ"التخريب" كما جاء في مقالة الناقد محمد العزب الموسى في صحيفة الأخبار قبل سنوات بعد تأثر مسرح الشباب المصري بدعوات التجديد وظهور صيغة جديدة من إعادة إنتاج الحراك المسرحي برؤى مغايرة لما اعتاده النظارة والمتابعون من حيث اللغة المسرحية والاتكاء على حركة الجسم كونها البطل، وما يرافق ذلك من سينوغراف مبتكر حطم نسق الديكور والإضاءة مشتغلا على التهويم اللوني والإسقاطات الآخذة في الاعتبار التعبير الحركي واللغوي الذي يؤديه الممثل في تناغم هارموني يسير بالمشاهد إلى لحظة الخلاص بكل انسيابية وإدهاش، على الرغم من وصم هذا الاشتغال الحديث بالنخبوية التي تنفر الحضور وتقصيهم عن متابعة ما يعرض ناهيك عما يبديه محبو المسرح التهريجي تجاه هذا النوع.
ومن قبيل التوافق الحسن أن تستضيف مدينة أبها الجميلة "عروس كل المواسم" بعد أسبوعين من اليوم حراكا مسرحيا نوعيا أحسب أنه متفرد في شكله ومضمونه، وأنها - وهي المدينة السباقة إلى كل إبداع - ستؤسس لهذا النوع من المسرح الذي قلما نجد مهرجانا خاصا به عبر ما عمل عليه فرع جمعية الثقافة والفنون في أبها منذ أكثر من عام للإعداد لمهرجان" الديودراما" الذي يؤدي الأدوار فيه ممثلان اثنان فقط وتشارك في فعالياته ست فرق مسرحية من داخل الوطن ما يشكل تظاهرة فنية يتبادل فيها المشاركون الخبرات ويعملون على إعادة صياغة الفكرة عن مسرح التجريب عبر العروض المتنافسة والجلسات النقدية التي تعقبها وما يرافق ذلك من اجتماعات معنية بالهم المشترك حول المسرح وما يعانيه من أجل إثبات الوجود والقيمة التنموية.
بقي أن أشير إلى أن مسرح الديودراما لا يملك مرجعية كبيرة في بحوث المسرح ونقده وهذا يدعو إلى تكثيف الجهود لدرسه وإبراز تقنياته ما يجعل أبها ومسرحييها فخورين أن بعثوا الفكرة من مرقدها فنعم العاملون.