عندما أقرأ تقريرا إعلاميا تظهر فيه العبارات التالية: المساكنة هي «أمر مرفوض تماماً من قبل غالبية العرب، لذلك لا يوجد قانون يحفظ حقوق المتساكنين، بل على العكس توجد قوانين تجرمها وتعتبرها «زنا» على الرغم من كونها حرية شخصية لفردين بالغين يعيان بمصالحهما، وليس على الدولة إلا أن تحفظ حقوقهما»، أتوقف وكلي دهشة! كيف تصدر هكذا عبارات من إنسان عربي؟! لن أقول مؤمن، فلو كان كذلك لما صدرت منه مثل هذه الهرطقات!
والأنكى من ذلك حين تخرج إلينا شخصيات فنية مشهورة تتباهى بدعمها وتأييدها لما يسمونه «تجربة ما قبل الزواج» وهم لم يستمروا، بل من تزوج منهم أيضًا انفصل فيما بعد، ثم هل الزواج تجربة؟! هل أصبح الإنسان بضاعة تجرب، إن لم يعجبنا نرده ونسعى لتجريب غيره؟! كيف ترضى المرأة التي تعتز بكرامتها وعزة نفسها بأن تكون «تجربة» ؟! كيف يرضى الرجل الذي يعتز برجولته أن يكون «تجربة»؟!
وإليكم رأي من جرب المساكنة وخرج منها:
«اليوم، أصبحت مقتنعاً أكثر أن المساكنة، هي حل أكثر واقعية وأقل ضرراً لكلا الطرفين، وأصبحت متيقناً أن خيار الزواج وتأسيس عائلة مستقرة مبنية على فهم الآخر وتقبله، يمر حصراً عبر تجربة السكن مع الشريك قبل الإقبال على هذه الخطوة، لن أقدم تنازلات عن حقي هذا لصالح أهلي أو المجتمع، ولا لسلطة العادات والتقاليد والدين، لأنها حياتي وأنا من يقرر الشكل المناسب لعيشها» ! الأخ مستعد أن يجرب مرة واثنتين وثلاثا وهلم جر، إلى أن يجد من سوف يدخل معها قفص الزوجية، وغالبا ما ستكون ممن لم تقم بمثل هكذا «تجربة»، لأنه بالنهاية «طلع أم نزل» هو رجل شرقي، أما من خضن معه تلك التجارب عليهن مواجهة مصيرهن وحدهن!
وتابعوا معي منطق الذي يبرر أن شرعية العلاقة، لا تأتي من الأديان ولا الأعراف، أو التقاليد أو العقود المدنية، أو الدينية أو العرفيّة، بل من «التعاقد الإرادي الحر» بين رجل وامرأة بشرط أن تستكمل هذه العلاقة بالاحترام المتبادل، وألا يكون فيها أي خرق لأية التزامات أخلاقية شخصية أخرى! أي «تعاقد» يقصد، والمساكنة مبنية على ألا يكون هنالك عقد من الأساس! أضف إلى ذلك أن المساكنة تخترق أقدس علاقة أوجدها الله بين البشر «الزواج»، بل هي تخترق كل الالتزامات الأخلاقية والشخصية، لأن أول شرط لها عدم الالتزام والخروج السهل دون مسؤوليات! حتى إن أجرينا بحثا على الإنترنت نجد أنه في دول غربية كثيرة، ما زالوا يبحثون في تشريع حقوق المساكنة، من فصل الممتلكات عند الانفصال إلى الاعتراف بالأبناء والنفقة إلى الميراث! وإن تم ذلك، رجعنا إلى نقطة الصفر؛ التزامات وتكاليف يتهرب منها الباحثون عن الحرية المزعومة!
بقدر عدد الدراسات التي ظهرت تؤيد المساكنة، ظهر مثلها إن لم يكن أكثر تبين الآثار السلبية على الفرد والمجتمع، بينما تؤكد إحدى الدراسات في مجلة الزواج والعائلة بأن الشريكين المتساكنين غالبًا ما يعيشان حياة سعيدة مقارنة بالمتزوجين في بعض الجوانب، مثل الصحة والراحة النفسية والروابط الاجتماعية، نجد أن دراسة أخرى في مجلة العلم الاجتماعي الأوروبي تناولت تأثير المساكنة قبل الزواج على الطلاق، وتوصلت إلى أن المساكنة قبل الزواج تؤدي إلى ارتفاع في نسب التساهل في الطلاق، مقارنة بمن دخل الزواج دون مساكنة، وتضيف أبحاث أخرى إلى أن الذين يدخلون المساكنة كاختبار، هم الأكثر عرضة لسوء جودة العلاقة وانتهائها، وتشير غيرها إلى أنه على الرغم من الروايات السائدة حول كون المساكنة مشابهةً للزواج، عندما يتعلق الأمر بمقاييس جودة العلاقة، التي تؤخذ في الحسبان - مثل الالتزام والرضا والاستقرار - تستمر الأبحاث في إظهار أن الزواج لا يزال الخيار الأفضل، لأسرة قوية ومستقرة، إضافة إلى ذلك توصل العديد من الدراسات إلى أن المتزوجون يحصلون على الدعم الأسري والاجتماعي والعاطفي، بينما المتساكنين يفتقدون ذلك، وهذا عندهم فماذا عن مجتمعاتنا العربية؟!
المساكنة مرض خبيث بدأ بالانتشار بين الشباب العربي، خاصة بسبب رواج الأفكار الغربية على وسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الوصول إليها، ليس هناك ما يفسد حرمة الزواج مثل المساكنة، وعندما يصبح الارتباط تجربة وخطأ، يكون قد فشل بالفعل؛ فبينما يميل الأزواج إلى العمل بجدية أكبر لحل مشاكلهم، يكون من الأسهل على الأشخاص المتساكنين أن يبتعدوا عند أصغر المشكلات، طالما أنه لا يوجد عقد يُلزم، وبما أنهم يعيشون في السر، يا دار ما دخلك شر، كل يذهب في طريقه، وكأن شيئًا لم يكن!
نداء إلى الشباب العربي: كما تقرأ لمؤيدي المساكنة أقرأ لمعارضيها، ستتضح لك الصورة، ولا تتبع المضللين، فغالبيتهم مجرد أتباع لأتباع، مقلدون عمي لا يدركون خطورة أبعاد ما ينادون به، إنهم يقلدون من يرغب في التهرب من المسؤولية ويلهث خلف تلبية غرائزه على حساب الآخر، تحت راية «الحرية الشخصية». لا تنجس نفسك، فلا يوجد شيء يدمر كرامة الإنسان ويجعله يخسر دينه وأهله واحترام مجتمعه، مثل مخالفة شرع الله، فالشراكة المبنية على «ربما سيصلح» غير التي تبنى على «بإذن الله صالح»، ابتعد عن كل ما يجعلك تخسر دينك ودنياك وآخرتك.