وفي هذا المقال أحببت أن أتحدث عن موضوع قلة الادخار كظاهرة، وكيف يمكن للبنوك أن تلعب دورًا رئيسيًا لكونها مكونًا اقتصاديًا أساسيًا، يمكنه أن يسهم في خلق وتعزيز ونشر المعرفة والوعي المالي، وغرس الإرادة وضرورة التوجه إلى الادخار بوجه عام والادخار الأسري بشكل خاص.
والجدير بالذكر أنَّ نسب مدّخرات الأسر في انخفاض تدريجي في جميع الاقتصادات الكبرى فبعد تخطي الأزمة المالية العالمية في عامي 2008م و2009م، شهد مؤشّر مدّخرات الأسر إما ركودًا أو هبوطًا بين عامي 2010-2019، ولم نختلف عنهم في المملكة العربية السعودية والدول المجاورة لنا، فقد بلغ معدّل الادّخار الأسري للمواطنين 1.6% فقط من الدخل السنوي المتاح في عام 2018م، وفقًا لأرقام الهيئة العامة للإحصاء، وتعتبر هذه النسبة منخفضة مقارنة بدول مجموعة العشرين.
وضمن دراسة أجرتها شركة كي بي إم جي في عام 2020م عن مدّخرات الأسرة أشارت إلى أنَّ المعرفة المالية عامل مهم في انخفاض معدل الادخار، وهو ما يفسر انخفاض معدل الاستثمار، وبالإضافة إلى ذلك يفيد بأن الازدهار والتقدم والأمن في البلاد قد يكون سببًا لمعدّلات الادخار المنخفضة، وأضافت الدراسة أنَّ التوزيع الديموغرافي للبلد يكون له تأثير ملحوظ على معدل ادّخار الأسرة الإجمالي، حيث يكون مؤشر الادخار أعلى بالنسبة للبلدان التي في مرحلتها الأولى من نظرية دورة الحياة.
وعلى الرغم من أنَّ أغلب سكان المملكة من فئة الشباب -بفضل الله- فلا تزال معدلات الادخار قليلة نسبيًا، ربما يعود ذلك إلى كون أن البعض غير مقتنعين بالحاجة إلى التركيز بشكل أكبر على الادخار، أو قد يكون لدينا سلوكيات إنفاق غير صحية بسبب اعتقاد البعض بسلامة مقولة «أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، ومع ذلك وخلال أوقات الأزمات الاقتصادية والجائحة، برزت مرة أخرى الضرورة بأهمية بناء السيولة الشخصية والحفاظ عليها، وبالتالي أعادت تأكيد أهمية تبني ثقافة الادخار.
وعلى الصعيد العالمي، وبعد مرور العالم بعدة أزمات اقتصادية تاريخيًا أصبح موضوع الادخار محوريًا لاحتواء الأزمات، حتى إن العالم أعلن يوم 31 أكتوبر من كل عام للاحتفال باليوم العالمي للادخار لتذكير العالم بأهميته وأثره الإيجابي على الاقتصاد والمجتمع، ولقد أدركت قيادتنا في المملكة أهميّة دور مدّخرات الأسرة في التنمية الاقتصادية للبلاد، حيث تمَّ إضافتها كجزء من رؤية 2030، وبرنامج تطوير القطاع المالي، وكأحد الأهداف الرئيسية لبرنامج تطوير القطاع المالي الذي يتمثل في تنويع القطاع المالي لدعم تنمية الاقتصاد الوطني وتحفيز الادخار بأمر الله؛ ولذا فمن المهم التأكيد على الدور الجديد للبنوك في تعزيز المعرفة المالية وثقافة الادخار والوعي المالي.
لقد عززت البنوك التجارية مفهوم الادخار منذ إنشائها بشكل مباشر وغير مباشر، وذلك من خلال طرح مجموعة من منتجات ادخارية، بمستويات سيولة ومعدلات فائدة مصمّمة تتلاءم مع تطلعات المودعين المختلفين، كما أنَّ فائدتها الإضافية هي انخفاض نسبة المخاطرة فيها وحفظها من السرقة والأضرار، وتتمتع الودائع المصرفية كمخزن للقيمة، ويمكن تحويلها إلى نقد بسهولة، كما أنَّها قابلة للتقسيم.
ومن المهم أن تسهم البنوك في توفير أدوات قوية وسهلة الاستخدام لتسهيل المعرفة المالية والادّخار، وبهذا الصدد لا تزال معظم تطبيقات الميزانية الرقمية الجيدة التي تقدمها العديد من المؤسسات، هي تطبيقات محدودة الاستخدام والإمكانات، وأي مستخدم بحاجة إلى أدوات كحاسبة الرهن العقاري، لتسهيل عملية اتخاذ القرار.
وهناك قدر كبير من الاهتمام بين صانعي السياسات والخدمات المالية حول إمكانيات «فنتك» (التكنولوجيا المالية) في مساعدة المدّخرين، ويمكن أن يتم استخدام التعليم الآلي لمساعدة الأشخاص في وضع الميزانية، وفهم إنفاقهم وإيجاد فرص الادّخار، أو تمكين الأشخاص من «الادّخار الاندفاعي» عن طريق تحويل الأموال غير المنفقة إلى المدّخرات، وهنا لا بد من أن تلعب البنوك دورًا أكبر لتحقيق المزيد من البحث لتطوير الأدوات المناسبة للأشخاص لتلبية احتياجاتهم المختلفة.
كما ينبغي على البنوك كذلك أن تضع في اعتبارها التنوع الهائل لعامة السكان، بما في ذلك عاداتهم التوفيرية وتفضيلاتهم، فلطالما كانت مقولة أن حل واحد ينطبق على الجميع أمر يصعب تعميمه على الجميع، فعلى سبيل المثال: الأسر ذات الدخل المنخفض لديهم عدد لا يحصى من التحديات التي تتطلب الوقت والاهتمام وكذلك الفهم والمعرفة، وهذا الأمر يسبب تحديًا واضحًا ويخلق مشكلة كبيرة أحيانًا فنجد أن هناك كثيرًا من الأشخاص يغرقون أنفسهم في ديون يعجزون عن سدادها.
فإذا كانت عملية الاقتراض تحتاج إلى توجيه ودراسة قبل اتخاذ القرار، فإن المطلوب للوصول إلى ترشيد الإنفاق والادخار يحتاج فهم ووعي وجهد أكبر من قبل متخذ القرار، ومن المهم أن يكون للبنوك دور في توعية وتثقيف أكبر عدد من الفئات المجتمعية لمساعدتهم في فهم عملية الادخار واستخدام الأدوات لاختيار البدائل الأفضل من المنتجات الادخارية المتاحة.
ختامًا يمكن القول: إنَّ جيل الألفية أكثر حذرًا فيما يتعلق بمواردهم ومدخراتهم مما قد يظنه معظم الناس، وأعتقد أن على البنوك المؤسسات المالية المعاصرة، وخاصة فنتك (التكنولوجيا المالية) مواصلة تعزيز قاعدة منتجاتها وحلولها والعروض الرقمية من خلال زيادة وعي العملاء بشكل أكبر يراعي التنوع والاختلاف بينهم، ومن الجيد أن يكون هناك مؤشر لقياس مدى نجاح البنوك في تحقيق ثقافة الادخار ونشره وقد تقوم الجهات المعنية بعمل جائزة لتكريم أفضل البنوك التي حققت تقدمًا وساهمت في خلق مجتمع واع ومثقف يدرك أهمية الادّخار وأثره الإيجابي على الاقتصاد وسلوكيات المجتمع بمشيئة الله تعالى.