كيف تحسب الأمور؟ كيف ترى التجارب في هذه الحياة؟ يعتمد هذا على منظورك، بمعنى قد تربط كل الأمور بأسباب، قد تكون داخل أو خارج نطاق تمكنك من التأثير عليها، وقد تربطها بأفراد من حولك، ولكن متى ما تركت الأمر لرب العباد، وكنت على يقين بتدبير الله، وأن كل ما يأتي من الله خير، هنا تكون تنمي لديك شعورا أكبر بضبط النفس، والنظر إلى الحياة بهدوء حتى في المواقف الصعبة.

من قصص التراث العالمي، يحكى أنه كان هنالك مزارع يعيش مع زوجته وابنه. كانت الحياة صعبة وكانوا يكافحون لتغطية نفقاتهم، وعلى الرغم من متاعبهم، كان المزارع يتمتع بهدوء وسلام تجاه ما يواجه من مصاعب، وهذا ما تسبب في حيرة جيرانه من أهل القرية، فرغم ما يواجهه من المصاعب وكفاحه اليومي المرير، كان لا ينزعج أو يتذمر!

وفي يومٍ فكرت الأسرة أن تقتصد في المصروفات حتى تتمكن من ادخار ما يمكنها من شراء حصان، يساعدها في أعمال الحصاد السنوي، ويساهم تدريجيا في خروجها ولو بشكل بطيء من الفقر. استغرق الأمر ثلاث سنوات ولكن بعد صبر ومثابرة تمكنوا من شراء حصان جميل وقوي، كانت فرحتهم لا توصف، وتجمع أهل القرية حولهم لمشاهدة الحصان، فلا أحد منهم يتذكر أنه رأى حصانًا بجماله وروعته، وقالوا: «إنه ثروة، فمن خلال هذا الحصان سوف تتخلص من الفقر»! رد المزارع بطريقته الهادئة: «إنه أمر جيد».

في يوم من الأيام، هبت عاصفة قوية، ومن الخوف قفز الحصان خارج الحظيرة وانطلق بعيدًا، وفي اليوم الثاني حضر أهل القرية يتحسرون على حظ المزارع العاثر: «كيف حصل هذا؟ لقد انتظرت وصبرت وثابرت، ولكن الآن لا شيء لديك، لقد ضاع أملك بهروب حصانك»! لكن المزارع نظر إليهم بطريقته الهادئة والسكينة تملؤه وأجابهم قائلًا: «كلا، وهذا أيضا أمر جيد». هنا ارتبك أهل القرية من ردة فعله، ولكنهم قرروا تجاهل ذلك ومضوا إلى قضاء حاجاتهم المعتادة.

مرت بضعة أسابيع، ثم في ظهيرة أحد الأيام، بينما كان المزارع يعمل في حقله، نظر للأعلى ورأى حصانه يركض نحوه برفقة حصان آخر! فرح أهل القرية، وأتوا لتهنئة المزارع:

«من كان يتخيل مثل هذا الشيء؟! الآن حصادك سيفوق أقصى أحلامك!» لكن المزارع أجابهم: «جيد أن الحصان عاد مع صديق» ثم أضاف بهدوئه المعتاد: «إنه لأمر جيد فعلًا».

وبعد بضعة أسابيع بينما كان ابن المزارع يحاول ترويض الحصان الثاني، سقط بشكل مأساوي وكسرت ساقه! مرة أخرى، جاء أهل القرية للمواساة والتعاطف مع المزارع لسوء حظه: «للأسف لن يتمكن ابنك من مساعدتك في الحصاد الآن، لقد عدت إلى حيث بدأت، يا له من تحول مفاجئ ومؤلم»، قالوا ذلك وهم يتحسرون على حظه السييء! وتمامًا كما فعل في المرة الأولى، نظر إليهم بطريقته الهادئة وقال: «كلا، هذا أيضًا أمر جيد».

وحدث بعد مدة أن مرت في البلدة كتيبة من الجيش، أتت لتجنيد كل شاب قادر بدنيًا للانضمام إليهم، وعندما وصلوا إلى منزل المزارع ورأوا ساق الشاب وحالتها، أكملوا طريقهم وتركوه في مكانه.

وبالطبع، حضر الجميع فرحين وقالوا: «ما هذه الصدفة العجيبة؟! هذا هو الحظ، وأنت فعلًا رجلٌ محظوظ!».

الآن هل أحتاج أن أضع ماذا كان رد المزارع؟ لا أظن، بل سأنتقل إلى المغزى من القصة؛ نحن نعمل على بناء خطط ووضع أهداف، ونحدد إن أمكن التحديات التي قد تعترضنا، ثم نعمل بجد لتعدي التحديات وتحقيق الأهداف. ولكن إن حدث ما يعرقل تقدمنا أو يتسبب في فشلنا، فإننا غالبًا ما نبحث عمن نهاجمه، وإن لم نجد نوبخ أنفسنا! وهذا تشتت ذهني وإضاعة للمجهود والوقت عدا عن السلبيات الأخرى منها التوتر وعدم الرضا.

في الإسلام لدينا ما يسمى «اليقظة» وهي حالة وعي المرء بالله سبحانه وتعالى، وهي نقيض الغفلة والتقصير والنسيان، المهم هنا أن هذا الوعي يؤدي إلى التوازن والهدوء، مما يساهم كثيرا في تشكيل السعادة الداخلية، لأننا لا نزن الأمور ما بين «جيد» و «سييء»، فنحن في الحقيقة لا نعرف دائمًا ما إذا كانت نتائج الحدث «سيئة» أم «جيدة»، تماما مثل قصة المزارع ندرك بأن أمرًا قد يبدو جيدًا قد يتسبب في المستقبل في حزن أو ألم، بينما أمر قد يبدو سيئًا قد يصبح ذا فائدة أو مفرحًا في المستقبل، ولكن في كل الأحوال ما يصيبنا هو ما كتب الله لنا، وكيفما تكشف الأمر فهو دائما لمصلحتنا.

هذا لا يعني أن نتكاسل أمام الصعوبات الحقيقية في الحياة، ولا يعني أيضًا أننا نبرر الظلم ونتقبله بشكل سلبي، على أمل أن الأمر سيؤدي يومًا ما إلى نتيجة جيدة، ولكن ما يعنيه هو أن نتعلم كيف نتوقف عن استيعاب لحظات الحياة ما بين «جيدة» و «سيئة»، وأن نتحايل بكل الطرق لكي نجعلها تتحول إلى ما نريد.

الذي يحصل أننا باليقظة نتخلص من التوتر ونتحلى بالتسامح تجاه أنفسنا والآخرين، ونصبح قادرين على التركيز بشكل أفضل، بما أننا خرجنا من داخل الصندوق، عندها نتمكن من اتخاذ الإجراء الصحيح، والأمر عائد لنا إما أن نتعلم الدرس من الخبرة وإما نعيش في حالة غضب مستمر، يسمم حياتنا ويدمر علاقاتنا ويعرقل مسيرتنا ويشتت جهودنا.