في مقال بجريدة النهار العربي كتب الدكتور محمد الرميحي بعنوان (عالقون في التاريخ ومعركة تأخير الوعي!) ما نصه: (بعض شركات طيراننا، عندما تبدأ الطائرة بالتحرك تسمع «دعاء الركوب» وقد يكون مستحباً عندما كان الناس يمتطون الجمال في السفر، ولكن لأي شخص له عقل، وفي ظروف السفر الحديثة السريعة والآمنة كل تلك العملية ليس لها معنى مقنع، وحتى كلماتها تتحدث عن «الغبار وعناء السفر»، ومع ذلك تصر بعض الشركات، نزولاً على «رأي أقرب إلى الجهل» أن يستمر!).

وأضيف أن مثل هذا الدعاء قد يكون فيه تجاوز عقائدي فالطائرة (صناعة بشرية) وليست مخلوقا مثل الجمل أو الخيل وبقية الدواب، ومن يرى أي طائرة باعتبارها مخلوقة مثل الجمال والخيل والبغال، فهو يعتقد في مصانع الطائرات قدرات إلهية لا يجوز أن تنسب لها، فهل يعقل أن يسبِّح المسافر باسم شركة بوينج أو غيرها من شركات صناعة الطائرات!!، ولمن يعاني من (فوبيا الطيران) مراجعة العيادات النفسية لإعطائه العلاج المناسب.

لا زلت أذكر كمسافر في إحدى الرحلات الدولية ذلك الشاب رافعاً صوته بالاستنكار الشديد، كانت نغمة الصوت مزيجاً من الخوف (رهاب الطيران) مختلطة بحوقلة الواعظ التقليدي، وهو يصرخ يريد السيطرة على النساء في الطائرة، لأن منهن من خلعت النقاب وتضبط هندامها بما يتناسب وثقافة الدولة الأخرى، كان فعلاً (يخشى من سقوط الطائرة) بسبب ما يراه من معصية (كشف الوجه)، رغم أن كشف الوجه في علته القرآنية لم يتجاوز الأمان من الأذى في (فلا يؤذين)، وليست إثارة الفتنة كما يستنتج البعض، لأن عورة الجارية/المرأة الرقيق تختلف عن عورة الحرة (عند الفقهاء)، وفعل عمر بن الخطاب في نزع غطاء الرأس عن الجارية إرباك لفقهاء (النقاب) مما جعلهم يؤولون فعل عمر رضي الله عنه كي يبقى (وجه المرأة) في فقههم (عورة) مثل باقي (العورات!!)، ولهذا نشاهد نساء العالم الإسلامي كاشفات الوجه في الحج والعمرة، دون أن يقول أي عالم معتبر أنهن فعلن منكراً يبطل حجهن أو عمرتهن، فالنقاب (عادة محترمة) قد تناسب بعض البوادي وبعض الأعراب ولا تناسب آخرين، ومن يربطها وجوداً وعدماً بالإسلام فإنه ينكر الإسلام على أغلبية المسلمين.

إن حالة الشاب التي حصلت أمام كاتب المقال تعيدنا لما حصل عام 2013 وأشارت لها وسائل إعلام محلية وعالمية بشأن (راكب سعودي يصر على إنزال مضيفة طيران لعدم وجود محرم لها)!

أقول إن مثل هذه الحالات فيها تكثيف حقيقي للكوميديا السوداء التي يعيشها (العقل الإسلامي وليس المسلم)، وذلك لاجتماع ظروف موضوعية تعري هذه الكوميديا، وهي كالتالي: الظرف الأول: ظرف مادي ملموس لمعنى (العقل العلمي) ممثلاً بطائرة فيها مقاعد وتكييف وموظفون للاهتمام براحة الركاب، ونوعها قد يكون (طائرة إيرباص تتجاوز حمولتها من المسافرين خمسمائة راكب، وهي في منافسة شديدة مع شركة بوينغ لصناعة الطائرات في زيادة الحجم إلى ثمانمائة راكب على دورين أعلى وأسفل)، تحلق بكامل حمولتها فوق القارات والمحيطات.

الظرف الثاني: ظرف مادي ملموس لمعنى (العقل الديني/التراثي) ممثلاً بهؤلاء الأشخاص الذين تضطر أجهزة الأمن لإخراجهم من الطائرة، وفي محاولة لتخفيف (الارتطام النفسي الشديد) الحاصل على (العقل التراثي) الذي قد يزيده عصاباً وجود (فوبيا طيران)، فربما تم إدراج (دعاء السفر) كنوع من (الرقية!) التي تساعد هذا العقل التراثي على التماسك (النفسي).

ركوب الطائرة يعني (أعلى مستويات الثقة بما أنتجه العقل العلمي/الغربي)، وهذه الثقة تناقض أقصى عقدة أيديولوجية لدى العقل التراثي في نظرته للآخر (الولاء والبراء)، فالآخر لدى العقل التراثي لا يتجاوز أن يكون (الكافر/المنافق/الفاسق)، وكلها ألقاب تترتب عليها أحكام تراثية تنسف كل تقاليد وأعراف العالم الحديث في تعاملاته من نظام (البيع والشراء الإلكتروني العابر للقارات)، إلى نظام الهوية الوطنية ونظام الجنسية وما يستتبعها من (حقوق المواطنة).

ركوب الطائرة يعني (الهزيمة إلى حد الإلغاء) للعقل التراثي، والعقل التراثي ليس خاصاً بديانة دون أخرى بل في كل الأديان (راجع كتاب كارل ساغان/ عالم تسكنه الشياطين)، علماً بأن (العقل التراثي) ليس كما وصفه أستاذنا الرميحي بأنه (يعود للماضي)، بل إنه يعيش تماماً في الماضي، واستشهاده بعقلية أولئك الطامحين لعودة الخلافة الإسلامية يؤكد الماضوية المزمنة للعقل التراثي في استعادة (أسواق النخاسة لبيع السبايا والرقيق).

وقد بدأت تظهر أشكال أخرى منقولة عن (أزمات العقل التراثي في الأديان الأخرى) كأن تجد من يجادلك في أن (الأرض مسطحة)، مما يجعلنا نستحث القارئ ليستعيد حكاية كارل ساغان التي يوضح بها كيف يستدل العقل التراثي وما هي حججه أمام (العقلانيين) في إثبات ونفي الأشياء من خلال قصة سيجدها القارئ في محرك البحث تحت عنوان (التنين الذي ينفث النار ويعيش في المرآب) وهي في كتابه (عالم تسكنه الشياطين).

وأخيراً فإن المثير للاستغراب أن (ركوب الطائرة) بالنسبة للعقل التراثي لن يكون قضية نفسية ولا عقائدية ما دام هذا (العقل التراثي) على مقعد (الدرجة الأولى) أو (درجة رجال الأعمال)، فهل (المال) يستر هذه التشوهات الفكرية وأثرها في السلوك، أم أن (المال) في ذاته بصفته (ورق بنكنوت) يستطيع علمنة أشد العقول انغلاقاً؟

ويبقى السؤال: إن كان للمال كل هذا التأثير فلماذا عجز في (عقل بن لادن) وأمثاله من (الأثرياء الداعمين للتطرف)؟ وفي رأيي أن (العقل التراثي) مع المال يستطيع أن يمتلك مهارات (الفيروس) في الكمون، فإن وجد جسداً ضعيفاً (العراق، ليبيا، اليمن، أفغانستان، نيجيريا، الصومال) فسينتشر كالنار في الهشيم، وعندما يستعيد الجسد عافيته من خلال (تماسك الدولة الحديثة) فإنه يعود للكمون، ويظهر فقط على شكل أعراض (رشح خفيف) ببعض المهووسين بفتاوى متطرفة قد تشوش على النظام العام ولا تؤثر فيه.