تطرق أحد الزملاء الأعزاء في هذه الصحيفة لموضوع المرجعية في مقالته المعنونة «بفهم من يفهم كلام الله ورسوله».

وأشار إلى أن الفهم الوحيد هو فهم الماضين، وربما لا نخالفه في الأصول.. لكن ماذا لو اتضح خطأ كل من عاش في تلك العصور في مسألة فرعية، أو كان صوابا، لكننا وجدنا ما هو أصوب منه فهل يصح لنا تركه؟

فهنا نقطة الخلاف أم أن احتمالية الخطأ غير واردة على مجموعهم وكأنهم قرآن بدلالة قطعية.. وقد كان يريد من ذلك إلزام الخوارج والمتطرفين بفهم الماضين حتى يقلعوا عما هم عليه، وكأن المتطرفين أهل اجتهاد معاصر وصلوا باجتهاداتهم إلى جواز الأعمال الإرهابية، ولا يأخذون بالتراث، مع أن ما أدى بهم إلى هذا الحال هو الاقتصار على كلام الماضين، ولو كان الخلاف معهم حول عقلي وعقلك، كما قال لهان الأمر، فأحكام العقل أقل اختلافا بشأنها، لأنها أوضح وأقل قداسة من أحكام الماضين، فهي أكثر غموضا بسبب كثرتها وأعظم قداسة عند من ينتهجها، وحتى لو أعطى المتطرفون أحكاما غير مسبوقة فهي لا تعدو أن تكون امتثالا لحكم أو قاعدة قديمة.

فإذا كنا سنختلف إنسانيا وعقليا حول قتل شخص مسالم مخالف لنا في المعتقد أو إثارة الفوضى.. فلأن نختلف على قبول رأي هذا المفسر أو ذاك لمن باب أولى، ثم هل من المعقول أن يكون صراعنا معهم صراع تنقيب وبحث في أقوال الماضين ؟

وماذا لو عثروا على قول يؤيدهم هل سيُسقط في أيدينا ولا نستطيع فعل شيء إزاءه.

وهل يكفي التراث لإبطال السبي بالطريقة الداعشية -كنموذج لأحد معتقداتهم -من غير الاستعانة بالقيم الإنسانية.. وهل يعتقد زميلنا أنه سيكسب المعركة التراثية –إن صح التعبير– معهم في شأن السبي.

إن الله قد وجّهنا في القرآن للعقل والذي ورد تحت مصطلح الألباب كثيرا، ووجهنا للقيم الإنسانية كالعدل والرحمة والعفة والأمانة ونفع الناس تحت مصطلح الحكمة التي هجرت قديما، ولم تغط بالشكل الكافي، وهي مجموعة من القيم كما يتضح ذلك من نصائح لقمان لابنه، ومن تعليل الوصايا العشر بها في سورة الإسراء، مما يعني أنهما مرجعية كبرى يجب أن نسير عليهما في حياتنا كلها بما في ذلك تفاسيرنا واستنباطاتنا الفقهية، وليس الرواة وما يروونه، أو الإجماعات أو قواعد المنطق واللغة واتباع الماضين أو المعاصرين أو أي مرجع بشري، فهذه نستأنس بها لا أكثر وتؤخذ في ضوئها ولا نشرّع بها، لأننا لم نؤمر بأيٍ من هذه المراجع في القرآن بشكل واضح بخلاف القيم، ولا يوجد أي دليل على اتباع الماضين سوى ذكر فضلهم وذكر الفضل لا يستلزم صحة الأقول أو أن يكون مرجعا تتحطم أمامه جميع المرجعيات، فقد أثنى النبي على النجاشي وعلى قبائل ومواطن معينة وأقوالهم ليست مرجعية كبرى لنا، بل ذكر فضلنا نحن في حديث «اشتقت إلى إخواني»، فهل سنكون مرجعا أيضا.

وأما القول إنهم أقرب إلى عصر النبوة وبالتالي هم أصح من غيرهم فهذا في أصول الديانة حتى لا ينحرف الناس وليس في كل شيء، فضلا عن أنه دليل عقلي أيضا والعقل الموصل إلى الإنسانيات والقيم هو عقل أيضا، فلماذا يقدم ذلك العقل الحسابي على العقل الإنساني؟

وهل يعقل أن يردد البشر لآلاف الأعوام من بعد النبي ما يذكره السابقون.. فأولائك إن كانوا يقولون أقوالنا تمتد لعشرات الآلاف من السنين فقد ادعوا العصمة ومن يدعي العصمة لا يؤخذ بقوله، وإن كانوا يقولون هي خاصة بنا فإنهم قد نهونا عن أخذها.

لكل هذا نقرر أن الرجوع للقيم والعقل أفضل من غيرها، وإن كانت هي مجال للاختلاف أيضا ولكنها أقل -حتى لا يعترض معترض بأنها نسبية هي أيضا- سواء في العلاقة مع الآخر، أو في البيوع والأنكحة والأقضية وكل ما هو موجه للإنسان، وهي أفضل من القول بالمصلحة.