تواجه سياستنا الخارجية مع الوقت مجموعة تحديات لا علاقة لها بحالة راهنة أو سياسات دول قدر ما هي تحديات تتعلق بالواقع الجيو ـ سياسي وبالاتجاهات العامة (trends) التي تسير نحوها السياسة الإقليمية والنظام العالمي. إن مواجهة هذه التحديات لا تتعلق فقط باتخاذ قرارات سياسية راهنة بقدر ما تتعلق بتغيير كامل في النظرة الاستراتيجية وفي الأسس التي تبنى عليها السياسة الخارجية.

منطقتنا تشهد تغيرات سيكون لها تأثير على التوازنات الإقليمية التي حكمته لمدة طويلة، والنظام العالمي يشهد تغيرات سيكون لها تأثير على علاقات القوة العالمية، وكلا الأمرين سينعكسان في المدى البعيد على سياستنا الخارجية. العنوان الأبرز لهذه التحديات هو الفراغ السياسي الآخذ بالتصاعد إقليميا وعالميا، ورغم أن الفراغ السياسي بشكل عام يضع تحديات أمام الدول إلا أنه في ذات الوقت يشكل فرصا لتلك القادرة على اقتناصها.

التحدي المتمثل في الفراغ السياسي أمام المملكة يأتي على مستويين سواء على صعيد النظام الإقليمي أو العالمي.

1/ النظام الاقليمي: تشهد المنطقة مع الوقت نشوء فراغ سياسي فيها نتيجة خروج الولايات المتحدة التدريجي منها وهو الخروج الذي أذن به انسحابها من العراق في نهاية 2011. الشرق الأوسط منذ سقوط الدولة العثمانية ظل عرضة لسيطرة الدول العظمى سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدءا من إنجلترا وفرنسا مرورا بالاتحاد السوفيتي وانتهاء بالولايات المتحدة. هذا التواجد الخارجي من الدول المهيمنة هو ما خلق حالة الاستقرار العامة من خلال خلق توازن إقليمي وتنظيم للعلاقات بين الدول. إن شكل النظام الإقليمي وتحالفاته تحدد في السابق تبعا للخريطة الأميركية في المنطقة، فنشوء محاور للممانعة أو الاعتدال أو غيرها من الأسماء؛ لم تكن في النهاية سوى تعبيرات عن تقسيم لتوازن القوى الإقليمية منشؤه وجود الولايات المتحدة كقوة خارجية مهيمنة ومؤثرة في الإقليم نفسه.

مع تصاعد اتجاه خروج الولايات المتحدة من المنطقة وانتهاء سطوتها عليها، سيشهد النظام الإقليمي للمرة الأولى فراغا سياسيا من أي قوة مهيمنة خارجية، هذا الفراغ سيفتح الباب لإعادة هيكلة علاقات القوة والتوازنات فيها. "فالشرق الأوسط الجديد" كما كتب ريتشارد هاس (مدير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي) في عام 2006 في مقالة بمجلة فورين آفييرز تحت نفس العنوان، سيكون شرقا أوسط يضعف فيه تأثير القوى الخارجية وتصبح للقوى الداخلية في المنطقة اليد العليا في إدارة النظام الإقليمي.

انتهاء دور الولايات المتحدة كموازن ومدير للعلاقات بين دول المنطقة وصعوبة عودتها للتدخل المباشر فيها كما حدث في العراق يخلق حالة جديدة من التنافس المفتوح بين القوى الإقليمية لملء الفراغ. إن شرقا أوسط جديدا تقل فيه قدرة الولايات المتحدة على إخافة دول المنطقة هو شرق أوسط جديد تتغير فيه كل قوانين اللعبة السياسية التي مارسناها على مدى العقود الماضية.

الفراغ القادم في المنطقة ليس مجال تنافس فقط لملئه، وإنما أيضا مجال تنتفي فيه الحاجة للصيغة القديمة من التقسيمات والمحاور في المنطقة التي اعتمدت سابقا على الصيغة والرؤية الأميركية.

2/النظام العالمي: في مقابل نشوء فراغ سياسي إقليمي، يسير العالم نحو صيغة فراغ مشابهة، وهي ما أشار إليها الباحث الأميركي آيان بريمر في كتابه الجديد بعنوان "كل دولة لنفسها: الفائزون والخاسرون في عالم جي زيرو" (Every Nation for Itself: Winners and Losers in G Zero World) حيث يشير إلى اتجاه عام يتصاعد بنشوء حالة من الفراغ السياسي العالمي، عالم ينتقل من مجموعة الثماني الكبار G8 ومجموعة العشرين G20 إلى G Zero حيث لا تعود هناك دولة أو حتى مجموعة دول تملك القوة السياسية أو الاقتصادية القادرة على إدارة العالم أو تحديد الأجندة السياسية له، نوع من توازن القوى العالمية الذي يلغي بعضه بعضا فلا يرجح كفة أي قوة عالمية إلا من خلال قدرة كل دولة على التموضع (positioning) وقوتها في التمحور (the power to pivot) عندما يتعلق الأمر بوضع سياسي ما.

حالة الفراغ العالمي في القوة ستلقي بظلالها من خلال حالة سيولة سياسية عامة سيشهدها النظام العالمي، ومن ثم فإن قوة السياسة الخارجية لأي دولة لن تتحدد بمتانة (sustainability) صيغة علاقاتها الدولية السابقة وإنما بمدى مرونتها (flexibility) في التموضع والتمحور باستمرار وهو ما يطلب استراتيجية جديدة وأسسا جديدة في النظر للعلاقات مع العالم والتحالفات التي تقوم على ذلك. الولايات المتحدة في هذا العالم الجديد ستصبح مجرد لاعب آخر شأنها شأن اللاعبين الآخرين يمكن تجاوزها في كثير من الأحيان.

القوة والمرونة المطلوبتان للتعامل مع كل من الفراغ الإقليمي والعالمي القادمين تتعديان مجرد الاعتماد على قوة ورقة النفط في سياستنا الخارجية أو الارتكاز على محور أيديولوجي إقليمي معين أو الاستناد لصيغة علاقتنا مع الولايات المتحدة. هذه التحديات تتطلب تفكيرا جديدا من خارج الصندوق وآليات جديدة تتجاوز آلياتنا التي ظلت قائمة على مدى عقود كأعمدة لا تتزعزع في سياستنا الخارجية. كيف سنملأ الفراغ في المنطقة؟ وكيف سنواجه وننافس إيران وتركيا فيه؟ وهل سيكون وضع سياستنا الخارجية مع العالم والولايات المتحدة فاقدا للكثير من قوته؟ كيف نستفيد من كل هذا وكيف نتجنب تحدياته؟