من يسير اليوم في شوارع جدة، يرى حالة من العاصفة التنموية ترتطم في أحيائها القديمة وشوراعها العشوائية، ويرى كمية أكبر لآلات وشاحنات الهدد التي دكت تلك الخراسانات وفتتها إلى جزيئات صغيرة حتى جعلتها غبارًا متطايرًا ليس له أثر.

هذا الجانب من التنمية العمرانية المادي والملحوظ، نتابعه كل يوم ونحن في طريقنا لأعمالنا ومنازلنا، سائرين لقضاء شؤون حياتنا، لم يكن هو العاصف التنموي الوحيد لبناء الوطن بل بالإسترتيجية نفسها تم هدم أبنية. فكرية عشوائية مشوهة لمشاريع متهالكة ألحقت الضرر بكل من يعتنقها ويؤمن بها.

أتت هذه السياسة (سياسة الهدم من أجل البناء) في وقتها المناسب لتوجه هذه الرياح العاصفة لهدم كل مشروع فاشل فكري كان أم عمراني، ظاهر للعيان أو حتى معشعش في العقول، وجعلته غبارًا متطايرًا، كالعهن المنفوش، في مرحلة حاسمة لا نحتاج معها إلا لكمامات صحية تحمي أجسادنا وعقولنا، وما أعنيه هنا بالكمامة هو حالة «الوعي» التي يجب أن تلازمنا مهما كانت الضغوط الناتجة عنه من هجوم وسباب وشتم لفئة مناصرة لمقاولي العقول التجارية وسماسرتهم في الداخل والخارج.


الوطن اليوم في مرحلة تحول لبناء فكر جديد يعتمد على العقل كقاعدة وأساس، وعلى العلم كمادة بناء، وعلى جودة الحياة كتشطيب نهائي لتتمة البناء.

صحيح أن إعمار العقول يتطلب سنينًا طويلة أكثر بكثير من تلك التي قضيناها في الكبوة الاجتماعية المسماة بالصحوة الإسلامية، إلا أن مشاهدة أعمال الهدد والبناء السريعة لإعمار المدن، ما هي إلا انعكاس حي ومباشر لمرحلة بناء العقول الممتدة بلا أجل.

الوطن اليوم يبني الإنسان كما يبني العمران، يبنيه بمناهج العلم والمعرفة وبانتقاء شديد الحرص لهذه المواد المتنوعة ما بين العلمية والتطبيقية والإنسانية والروحية حتى إن لم تكتمل الرؤية حاليًا لتحقيق بعضها، إلا أن الواقع يشير لتحقيق الكثير منها بدءًا بدخول التربية البدنية واتساع الدمج التعليمي بين الجنسين واعتماد الموسيقى كمنهج دراسي يطبق في السنوات المقبلة، مع الكثير من مواد المعرفة الحضارية والمتقدمة.

ما نمر به الآن ما هو إلا لوحة تشكيلية لم تنته بعد، صنعت بحب وعبقرية بريشة أميرنا المحبوب محمد بن سلمان حفظه الله، ويوما ما ستتحقق الرؤية ويكتمل البناء.