مع بداية مرحلة عمل جديدة وتوديع فترة الإجازة، يحدث عند معظم الموظفين تجديد للخطط والأهداف الحياتية، وجلوس حقيقي مع الذات في حالة من التجلي والشفافية واستبصار المستقبل قدر الإمكان، حتى يبدأ العمل بروتينه القاتل وينتقل الموظف للواقع المهني فيصطدم بأمور معقدة تدخله في صراع يومي مستمر، إما بسبب الروتين أو بسبب حالة «الحلطمة» السلبية الخارجة عن إرادة معظم الموظفين، والتي مهما حاول الموظف ضبط إيجابيته معها إلا أنها سرعان ما تخضع للحالة السلبية العامة التي يفرضها الواقع وانعكاسه على الموظفين.

صحيح أن العمل ما هو إلا كد وجهد وشقاء، لكنه في الوقت ذاته لا يمنع من أن يكون عبارة عن ممارسات بناءة لما ينشده الموظف من طموح وشغف ونمو مهني سليم وبحث عن الذات، قبل أن يصطدم بالواقع الحقيقي الذي يخالف تلك الآمال، ويدخله في دائرة العمل الوظيفي، فتتلاشى كل تلك التصورات شيئا فشيئا مع الأيام، وتبدأ في الظهور أهداف جديدة يبدأ الموظف معها دخول مرحلة نزاع ما بين أهداف العمل وأهدافه الشخصية ما يسمح لتكون قيم جديدة ومنطق يحمل شيئًا من الانتهازية نحو تغليب المصالح الشخصية على مصالح وأهداف تلك المؤسسات، وقد يحتدم هذا النزاع في مراحل عليا ويصل لمرحلة غياب النزاهة والأمانة، وبالتالي يسمح بتكون خيط رفيع من الفساد قد يقطعه موظف وقد ينسجه آخر لنفسه ولغيره وللمؤسسة بأكملها، والأكيد أن القانون والأنظمة الرقابية هي دائمًا بالمرصاد لمثل هذه الحالات.

لكن ماذا لو هيأنا البيئة والظروف لمنع تكون مثل هذه البؤر بوجود القانون والرقابة والعقاب، ماذا لو اهتمت بيئة العمل بجذب موظفيها لجودة حياة تنعكس على أدائهم الوظيفي وكسر الروتين بتنفيذ أنشطة تجمع الموظفين وتخلق حالة من الانتماء للمجتمع الوظيفي الذي ينتمون إليه؟ وماذا لو اعتمدت هذه المؤسسات آلية تنشط أهدافها بغير تلك الإجراءات البائدة ما بين نشرات وتعاميم معظمها لا يقرأ ولا يفهم الهدف منها، بل قد لا يتسع وقت الموظف إلا لقراءة أسطرها الأولى، فيتوجه مختصرًا وقته ووقت العمل للتوقيع والعودة لإتمام مهامه الوظيفية، بالتالي يمارس الموظف مهامه الوظيفية بلا أهداف، وبعد فترة من فصل العمل عن الهدف، يصبح الموظف في حالة من التوهان والضبابية في العمل، أو يجد نفسه أمام عمل بلا هدف كما يقول الموسيقار محمد عبدالوهاب في مطلع أغنيته الشهيرة من غير ليه: (جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه) خاصة أن روح العصر والقرن تفرض أهدافا تتسم بأنها نشطة ومتغيرة ومتحولة، ما يستدعي معها التنشيط والتذكير المستمر لربط الأهداف بالعمل وضمان عدم التجاوز إلا بحسب المتغيرات الزمانية أو حين بقاء الموظف رهن أهداف قديمة تجعل التغيير والتكيف مع المستجدات والمتغيرات أمرًا في غاية الصعوبة.


إضافة إلى نقطة مهمة جدًا بتصوري وهي وضع الموظف في موقع المسؤولية والتعايش الحقيقي مع ما تقتضيه تلك الأهداف أكثر من غيره من المديرين والوكلاء، إذا ما أدرك واستوعب قيمة الأهداف التي يجب عليه أن يحققها والتي يعتبر هو المساهم الأول في تطويرها بحكم معايشته وممارسته لها وخبرته واختصاصه فيها، وحتى لو حدث للموظف بعد ذلك اصطدام بمهام وأعباء وظيفية جديدة، تكون بمثابة الروابط التي تساعد في التكيف والمرونة، لا بالحلطمة السلبية كما يحدث من جراء الروتين البيروقراطي الممل وتغييب الأهداف والزج بمسؤوليات على عاتق الموظف قد لا يجيد التعامل معها ولم يستعد لتلقيها، فيتوه وتتوه معه النتائج والإنجازات.