لعلكم رأيتم يوما تغريدة أو حالة واتس آب، لشاب أو شابة في منتصف العقد الثاني، ينقل أحدهما فيها عن زهير بن أبي سلمى بيته الرثائي «سئمت تكاليف الحياة..»، أو يحاكي مضمونه الحزين شعرا أو نثرا أو اقتباسا!

أرجو ألا يستنكر أحد عليه هذا الفعل ! أو يُشعره بأنه موضع انتقاد أو سخرية، لأنه قال ما شعر به.

بعد ربع قرن قضيتها في ميدان التعليم، كان جلها في مراحل التعليم العام المتوسط، أزعم أنني أصبحت خبيرة في جوانب ما يعرف بمرحلة المراهقة، وكنت شاهدة على آلاف الحالات الإنسانية.

وأعلم أن هذه هي المرحلة الأكثر صعوبة أمام الآباء والأمهات والمعلمين والمربين، كما أنها الأكثر أهمية لدى الطفل الذي يمر بتحولاتها المرهقة وتغيراتها الكثيرة.

أول التغيرات تلك المتعلقة بجسده وحجمه ووزنه وطبيعة صوته وبشرته، ولنعلم أن تأثير هذه التغيرات في نفسيته و مزاجه شاق جدا، وفي الغالب يكون ملتفتا ومهتما جدا بأهمية مظهره، للحصول على الحب والاحترام.

ثم التغيرات النفسية المتمثلة في ردود أفعاله، وانفعالاته الخاصة تجاه الأمور، والتي قد تأخذ شكلا مبالغا فيه - من وجهة نظرنا - على الأقل.

وأخيرا تأتي التغيرات الأخطر وهي التغيرات العقلية والفكرية، ففي هذه المرحلة يتنبه الشخص للمفاهيم المتعلقة بالذات والآخر، مثل الكرامة والاستحقاق والتقدير، ويمكننا القول إنه يبدأ باكتشاف أدوات أخرى للبقاء، مختلفة عن تلك التي عرفها واستخدمها في الطفولة.

فلم يعد الأمن والغذاء وحب الأبوين ومتعة اللعب، وسائله المفضلة للحياة، بل يرتبط البقاء لديه بمقدار ما يتوفر له من جاذبية المظهر، والتفوق الاجتماعي واحترام الآخرين لرأيه، وإرادته و كينونته، ووجود قضية - أيا كانت - يعمل عليها، وسلطة - أيا كانت - يمتلكها، ومجتمع - أيا كان - ينتمي إليه.

والحقيقة أنه من الجيد أن يكون لدينا خارطة طريق عامة، تساعدنا على عبور هذه المرحلة مع أبنائنا وطلابنا، ولعلي هنا أحاول معكم رسم ملامح هذه الخارطة..

- المراهقة ليست نهاية الطريق، هي مرحلة عابرة، يتغير الشخص بعدها ويكون أكثر هدوءا وواقعية وانضباطا.

- حاول أن تكون مراقبا، ولا تتدخل إلا إن شعرت بخطر، وأعطه مجالا لاختبار التجارب الخاطئة.

- التضخم سمة المرحلة، طبيعي أن يحس بأنه مظلوم ومستهدف وأن سقف استحقاقه مرتفع، طبيعي مثلا أن يتخيل نفسه أمين عام الأمم المتحدة، لأنه ذكر أسماء ثلاث عواصم بشكل صحيح، أو أن يتخيل نفسه يحمل كأس العالم لأنه تخطى عشر مراحل في لعبة إلكترونية وهكذا.

- احترم ما يطرحه عن نفسه وعقله، وحاول قدر المستطاع عدم تقديم النصائح المباشرة، بل استبدلها بالدعم والتأكيد له بأنك في صفه وتتفهم أفكاره.

- اشرحوا لأبنائكم بشكل علمي ما يحدث في أجسادهم من تغيرات، وكيف تؤثر الهرمونات في نموهم ومشاعرهم، لا تتخيلوا كم تساعدهم المعلومات الدقيقة بهذا الشأن في محبة أنفسهم، وكم تقلل من شعورهم بالخجل من ذواتهم، كما تخفض من تنمرهم تجاه أقرانهم.

- هذه مرحلة يؤمن فيها المراهق بأصدقائه كإيمانه بنفسه أو أشد، فكن أنت أول الأصدقاء لابنك أو ابنتك، واصنع لك مكانا في ذاكرتهم، استمع لهم وأشعرهم أنك مستمتع بمشاركتهم الحديث والهوايات والتفاصيل اليومية.

- اكتشف مواهبهم وادعمها بقدر ما تستطيع، وراقب تطورهم وتقبل إخفاقاتهم بصدر رحب.

حسنا.. هل أخبرتك أن التربية ليست نزهة ؟

إنها أكبر مشروع اقتصادي قائم على دوافع عاطفية، فلا تبدأ مشروعك إلا إن كنت واعيا ومستعدا تماما، لرعاية إنسان آخر أثناء ترحاله في محطات الحياة.