قدمت الشقيقة قطر صورة مشرفة عربيًا وإسلاميًا، لما يمكن أن تقوم بها دولة عربية مسلمة من جهود وما تحققه من منجزات مادية ومعنوية ثرية بمضمونها راقية بمعانيها مستدامة في نوعيتها وأهدافها وشموليتها، استضافة قطر لتظاهرة عالمية ينتظرها العالم بشغف كل أربع سنوات، يُعد في حد ذاته تحديًا دوليًا على جميع المستويات، باعتبارها أول دولة عربية ومسلمة تنافس في استضافة المونديال وتنجح في الفوز به، بل وتتمكن من الاستعداد له والتهيؤ لمتطلباته وخدماته بأفضل مستوى في إطار جميع المعطيات المتاحة للدولة وللظروف البيئية والطبيعية المحيطة.

مونديال قطر لوحة حضارية مشرفة في جميع تفاصيلها وألوانها وحجمها وتوزيعها، لوحة تمازجت فيها المنشآت الحضارية والتراثية مع ما تضمنته من رسائل إنسانية ومعنوية لتعطي صورة فنية متميزة مبدعة ومبهرة.

ما قدمته قطر يجيب على كثير من التساؤلات المحيرة ويؤكد مجموعة من المراهنات التي تشكك فيما تستطيع أن تحققه العزيمة الصادقة والإرادة القوية للدول من منجزات وأداء يفوق كثير من الدول التي تفوقها مساحة وإمكانات طبيعية وبشرية، توجيه الهمم وتركيز الجهود وتنظيم الأداء ينتج جودة في العطاء وتميز في المحتوى والمنجزات.

امتزاج الحضارة بالتراث، فيه اعتزاز بالماضي وفخر بأصالة الانتماء واعتداد بالجذور، وفيه معايشة للحاضر وتطلع نحو المستقبل الأفضل، ابراز الملامح الوطنية والاعتزاز بالقومية العربية والإسلامية فيه إيمان بالهوية وتعزيز الثقة بمضمونها التاريخي والثقافي، وإن استثمار الدول للتظاهرات العالمية واقتناص فرص أي تجمعات بشرية كبرى في إيصال رسائل إنسانية هادفة وتبليغ معاني سامية تؤمن بها وتعتقد بشرعيتها؛ يحقق منجزات عميقة المحتوى على مستوى المبادئ والقيم وثقافة الشعوب.

الانتصار السعودي الكروي المبهر في أول مبارياته في المونديال مع الأرجنتين وهي أحد أهم الدول المرشحة للفوز بكأس العالم، هو ليس نصرًا وطنيًا للشعب وللقيادة التي هيئت الظروف ووفرت الإمكانات، وليس فرحة غمرت كل الشعوب العربية والإسلامية، وإنما هو فخر وإنجاز غير مسبوق للشعوب العربية والإسلامية في تلك المنافسة العالمية، إضافة إلى الأداء القوي واللافت - رغم الخسارة - أمام بولندا.

منتخب قُدمت له جميع ممكنات التأهيل والقدرة على المنافسة والتفوق؛ فأخلص وأبدع وحقق الفوز.

لا شك إن الثقة والاعتزاز اللتين مُنحتا للمنتخب من الشعب والقيادة، كان لهما الدور الكبير في تحفيزه ودفعه نحو التفوق والتألق بصورة منقطعة النظير، كان اللقاء الأخوي بسمو ولي العهد وما اتسم به من بساطة وأريحية وتفاؤل ورضا بالنتائج؛ باعثًا لارتياح نفسي واعتداد معنوي عميق ودفع نحو التألق والاستمتاع، تعززت به نفوسهم واطمأنت له أرواحهم، كان محتوى اللقاء بكلماته وعباراته المسؤولة الملهمة، بمثابة الشعلة التي أوقدت فيهم روح الإصرار على الفوز والتميز، كانت اللمسات المعنوية الحانية والإنسانية الفائقة في روح القيادة وأسلوب الإدارة ومستوى الاحتواء للحدث، قد لامس قلوبهم قبل عقولهم وعواطفهم قبل عزيمتهم، فكانت النتيجة اللعب المبهر والفوز المستحق.

دروس تربوية ومواقف إدارية وعِبرْ نفسية عميقة وراقية، تُستقى من حديث ولي العهد محمد بن سلمان مع أفراد المنتخب قبل سفرهم للمشاركة في المونديال، فالثقة والإيمان والرضا والاعتزاز والتمكين؛ يتولد عنه عطاء غير محدود وجودة منافسة والتزام ذاتي ومسؤولية داخلية ودفع نحو التميز والإخلاص، فالعطاء المسؤول والتألق والابداع في الأداء والإخلاص في العمل؛ لا يأتي بالضغط والقسوة والتعسف، وإنما بالاحتواء في المسؤوليات وبالمواقف المسؤولة والإنسانية في التعامل والتحفيز نحو الهدف والتمكين من المقدرات والتأهيل للمهام المستهدفة.

تتمحور أهمية تلك اللقاءات العالمية ما بين الشعوب، ليس فقط في نتائجها التنافسية رغم أهميتها، وإنما في تحقيق التقارب والألفة ما بين الشعوب وبث روح التسامح والقبول بالآخر لما فيه مصلحة الإنسانية جمعاء، فيه تبادل للثقافات وتعارف إنساني لما تتمايز به الشعوب عن بعضها البعض، فيه اطلاع واستكشاف لما تتميز به الشعوب المختلفة من قيم ومبادئ وعادات وثقافات تشكل هويتها وتميزها عن غيرها، وصدق قوله تعالى«يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمُ خبير».

الإنجاز القطري والنصر السعودي هو فخر وإنجاز للشعوب العربية والإسلامية وقياداتها، وهو بداية الطريق نحو التألق العالمي في جميع المقدرات، هو نجاح وتتويج بالقدرة على التميز والإبداع في العطاء والريادة والتألق في المنجزات.

نافذة:

أهمية اللقاءات العالمية ما بين الشعوب، ليست في نتائجها التنافسية، وإنما في تحقيق التقارب والألفة وبث روح التسامح والقبول بالآخر لمصلحة الإنسانية.