يقدم المركز العالمي لمكافحة التطرف (اعتدال) عملاً توعوياً مهماً في نشر الفكر المعتدل وتعزيز قيم السلام والتعايش، لكن المشوار نحو التحول الفكري المجتمعي ما زال طويلاً وفي رأيي أنه حان الوقت لتطوير التجربة ونقل رسالة الاعتدال من منصات التواصل إلى الشارع لتكون أكثر فاعلية وتأثيرا.

إن المجتمعات التي تتم أدلجتها بطريقة منظمة يجب أن تعالج بطريقة منظمة أيضاً، ونعلم جميعاً كيف عملت تيارات الإسلام السياسي على مجتمعنا لعقود. فكان الأمر أشبه بمعركة طويلة منهكة، ولا شك أن العائدين من المعارك هم الأكثر احتياجا لتحسس رؤوسهم.

لقد بدأت صناعة التطرف بإيجاد فكرة دينية عاطفية، ثم تحولت مع الوقت إلى قضية سياسية أممية. واستطاعت هذه التيارات استقطاب المتنفذين في جميع الجهات والقطاعات، كما عملت على مخاطبة الجماهير من خلال الفعاليات الدعوية والمناشط الاجتماعية ورافق هذا كله صناعة شعارات وصوتيات ورمزيات مقدسة فعلت في الوجدان الاجتماعي فعلها إلى حد لم يعد الفرد العادي قادراً معه على التفريق بين الدين والمنهج السياسي الذي يختطفه.

ويمكن لأي مراقب أن يرى بوضوح كم كان (الإسلاميون) أكثر نشاطاً وإصراراً على استنبات أفكارهم في الأرض، وكيف كانوا أكثر وجودا بين الناس في بيوتهم ومدارسهم وإعلامهم.

واليوم نحن نتعامل مع الجيل الواقع في المنتصف بين حقبتين فكريتين، وعلينا أن نعي تماماً أنه لا يسعنا الانتظار والاعتماد فقط على تأثير التقادم، فالطبيعة لا تقبل الفراغ، وضعف حضور الفكر المعتدل يترك بالضرورة فراغاً تتشكل فيه ذات الأيديولوجيات القديمة.

المطلوب هو تعزيز حضور (اعتدال) في نشاطات التعليم وسجالات الرأي والفعاليات الثقافية والفنية والرياضية وغيرها.

يجب ألا يبقى اعتدال رفاهية فكرية تخاطب النخب، بل عليه أن يمتشق سيفه ويمتطي صهوة حصانه، ويخوض باسم الأمة معركة التغيير على الأرض.

ختاما... أجزم أنه من الممكن وضع خطة عمل تترجم إلى برامج حقيقية، تلامس الناس وتكون مؤثرة في أفكارهم، وأعتقد أن اعتدال بما لديه من قبول ورصانة ودعم، قادر على تغيير المعادلة وتوجيه مسارنا نحو مستقبل أفضل.