رغم نجاح الربيع العربي في إطلاق الطاقات من عقالها وجعل المواطن العربي يشعر بالحاجة إلى التغيير، إلا أنه وبعد فترة قصيرة بدأ هذا المواطن في أكثر من بلد عربي يكتشف أن الربيع العربي نفسه في حاجة ماسة إلى تغيير. فقد شاهد بعينه أن الهدف من الربيع قد انحرف عن مساره ولم يتحقق. صحيح أن بعض أسباب الإخفاق ترجع إلى الثورة المضادة التي تشنها توابع الأنظمة السابقة، إلا أن السبب الجوهري في الإخفاق يرجع إلى أنانية الفصائل السياسية. فبعضها تحارب وتزايد للوصول إلى السلطة وبعضها الآخر تتجه نحو الاستبداد. لذلك إن لم تتدارك الفصائل هذا الخطأ، فسوف تكون سبباً في إزهاق الربيع العربي.

إن الصورة الراهنة للحالة التي وصلت إليها بلدان الربيع العربي تفصح عن مشكلة كبيرة تتمثل في التناقض الكبير بين أفكار الربيع العربي وبين أفكار القيادات السياسية التي تسعى للوصول إلى السلطة. إذ سرعان ما ظهر منها جنوح نحو الاستئثار بالسلطة وإقصاء بقية الأطياف في صورة مشابهة للنظام القديم متجاهلة الدافع الأساس لانبعاث الربيع في تحقيق الديموقراطية بكل ما تشمله من عدالة وحرية وحقوق الإنسان في العيش الكريم.

لذلك لا يمكن أن تتحقق طموحات الشعوب العربية، وخاصة شبابها بالانعتاق من الديكتاتوريات السابقة التي قتلت شعوبها إلا عندما يبدأ التغير من القادة السياسيين. وتتطلب أولى خطوات التغيير أن يغيروا أنفسهم من الداخل. فعليهم أن يؤمنوا بما يدعون إليه ويضربوا المثل بأنفسهم حتى لا تتناقض ممارستهم السياسية مع مبادئ المساواة والتعددية المضمونة لجميع شركاء الربيع العربي. لقد كانت تكلفة الربيع العربي باهظة؛ أريقت فيها دماء وذهبت خلالها عشرات الآلاف من الأرواح خاصة في ليبيا وسورية، ورغم ذلك فإن تكلفتها تهون إذا ما قورنت بتكلفة عدم تغيير الأنفس.