التسامح، لفظة جميلة، صار أغلبنا يستعملها، وبعض استعمالاتها في غير محلها، أو في غير وقتها المناسب، خصوصا عندما يخلط مستعملها بينها وبين مفردة «الاحترام»، إذ إن الفرق بينهما دقيق جدا؛ فالإنسان قد يسامح في موضوع، رغم عدم احترامه له.

في الغرب، ظهرت كلمة «التسامح» جليا إبان الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، في القرن السادس عشر الميلادي؛ يعبرون بذلك عن قبول الاختلاف من أي مخالف، سواء أكان في التفكير أو في طريقة المعاش، وهو ما يستلزم، في بعض الأحيان، تساهلات فكرية، وأحيانا قانونية، كذا إعطاء مساحة أوسع للتعبير، حتى لو لم يكن متوافقا كل التوافق مع الفطرة السليمة. أما في الشرق فالمفردة قديمة جدا، واستعملها سيد أهل الشرق والغرب، صلوات ربي وسلامه عليه، في حديثه الذي رواه الإمام البخاري في الأدب، والإمام أحمد رحمهما الله: «أحبُّ الدِّينِ إلى اللهِ الحَنيفيَّةُ السَّمحةُ»، وفي الحديثين الثابتين الآخرين: «بعثتُ بالحنيفيَّةِ السَّمحَةِ»، و«أُمرتُ بالحنيفيةِ السمحةِ السهلةِ»؛ وكلمة السمحة مفسرة في أحاديث أخرى، ومن أهمها حديث: «إياكم والغلُوّ في الدينِ، فإنّما هلكَ من كان قبلكُم بالغلوّ في الدين»، وحديث: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ..».

مفردة التسامح، في غالب استعمالاتها الصحيحة، المقصود منها هو التعامل مع المخالف، وهذه عادة لا يصلح لها إلا التعارف وفتح آفاق الحوار، وهو نداء وأمر وجهه خالق الأكوان لعباده، وأبرزه لهم في محكم تبيانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير}، والتعارف يسميه الخبراء اليوم «التجسير» أو «مد الجسور»، ويعنون به التعرف على ثقافات المخالف وحضارته وما يتعلق بفكره، وهو ما يؤكده السياق الرباني في تحديد العلاقات مع المخالف، ونجدها في ما ذكره المولى سبحانه وتعالى، بخصوص مخالف الملة: {لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِين}، الذي يعتبره العلماء أهم نص في تدبير الخلاف والاختلاف بين الناس، والمسلمين واليهود والنصارى وغيرهم بشكل خاص، وأن من لم يعاد المسلمين له حق البر به، ومقابلته بالعدل، بل وتجاذب أطراف الحديث، والحوار في القواسم البينية المشتركة معه، وهذا كذلك بينه الواحد الأحد، وأمرنا به سبحانه وتعالى، في محكم قرآنه: {قلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}..

التسامح، الذي بدأت به مقالي، ينبغي أن نكون جادين في بثه بين من حولنا، وأن نفهم أن التسامح لا يمكن أن يكون في ما اتفقنا عليه، بل هو في ما اختلفنا فيه، من أديان ومذاهب ومعتقدات وأفكار، ومطعومات ومشروبات وأزياء، ومظاهر ولهجات وأذواق، وأن «الاختلاف في الرأي ـ بل وفي أي شيء ـ لا يفسد للود قضية»، كما قال أحمد لطفي السيد، الوزير والحقوقي والمفكر المصري الشهير؛ الموصوف بأنه «أفلاطون الأدب العربي».