«وضعية العفريت» تعبير أدرج في مطبعة جامعة أكسفورد، واعتبر التعبير الجديد لعام 2022.

شدني التعبير ، لكني حقا لم أستغرب، فبعدما خرجوا بآخر تحفهم لحقوق الإنسان وومحاولة فرضها على العالم، لا شيء من قبل الغرب بات يدعو للاستغراب!

والتعريف الذي صاحب التعبير هو: وضعية العفريت، نوع من السلوك المتسامح مع نفسه بشكل غير مبرر أو كسول أو ليس نظيفا أو حسن الملبس أو لائق بما يكفي للأماكن العامة أو جشع ويرفض الأعراف أو التوقعات الاجتماعية.

وضعية العفريت جاءت رد فعل لما يحدث بوسائل التواصل الاجتماعي من مظاهر كاذبة للمؤثرين، بحيث يهمل متابعهم نظافته الشخصية ومظهره، وينقض على كل ما تقع يداه من مأكولات غير صحية، يقضي جل وقته أمام التلفاز يشاهد البرنامج تلو البرنامج؛ بمعنى تكريس النفس للرفاهية، وتجاهل الحياة من أجل الحصول على الراحة، ولكنهم بالطبع لا يفوتهم أن يلتقطوا لأنفسهم صورا وهم بهذه الوضعية، وينشروها على وسائل التواصل الاجتماعي!

والمؤسف أن وضعية العفريت اتخذت منحى آخر لدينا، فإننا لم نبتل فقط بالمؤثرين والمؤثرات ممن يبثون حياتهم المزيفة والمصطنعة على كل وسيلة ممكنة، بل ظهرت لدينا عفاريت «السوشال ميديا» ممن يبحثون عن السعادة وتحقيق متعهم الشخصية بجني المال بأي طريقة كانت حتى لو بمخالفة كل الأعراف الاجتماعية، وبهذا يحولون متابعيهم إلى عفاريت مثلهم!

الحياة ليست ملزمة بإعطائنا ما نتوقعه، فهي لا تسير دائمًا كما نتوقع، وعادة عندما نصل لمنتصف العمر يخطر على بال المرء منا التساؤل التالي: هل هذا كل ما في الأمر؟! ففي كثير من الأحيان تحدث أشياء سيئة أو مؤلمة لنا، أمراض أو أخطاء أو خسائر، والكثير منا يشعر بالغبن لأنها ليست الطريقة التي كنا نعتقد أن الحياة سوف تجري بنا!

ونسأل «لماذا حدث هذا لي... لماذا أنا؟». لكن هل السؤال صحيح؟!

أليس من الأجدر أن نسأل: «لم لا؟ ما الذي يجعلني مميزًا لدرجة أن الأشياء السيئة لا تحدث إلا للآخرين؟!

ثم إننا في خضم مشاغل الحياة ننسى عادة أن الحياة هدية جميلة من الله، سبحانه وتعالى، ولكن لأننا بشر، عادة ما نميل للتركيز على الأشياء التي لا نملكها أو الأحداث السيئة التي نعايشها، بدلاً من التركيز أو العمل على تحقيق كل الأشياء الإيجابية الموجودة في حياتنا، التي هي في الأصل نعم من الخالق؛ وذلك التفكير له تأثير في جودة حياتنا، وفي النهاية يُحرم الكثير منا من تحقيق السعادة في حياتهم.

وأحد أسباب السعادة، الحب... ولكن هل يمكننا تحديد تعريفه؟! إن كل منا له تعريفه الخاص بناء على تجاربه أو ربما قراءته ومشاهداته، لكن تبقى مشاعر فردية يمر بها الإنسان ويعرفها ويعيد تعريفها كلما ازداد خبرة وتعمقا في المعنى. لو قلت إن الحب هو ذاك الشعور الذي تحصل عليه عندما تقابل الشخص المناسب، سوف يتوافق معي الكثير، أليس كذلك؟ بوعي أو بغير وعي، يعتقد كثيرون أن الحب هو إحساس (يعتمد على الانجذاب الجسدي والعاطفي)، بمعنى أنه يولد بطريقة سحرية وعفوية عندما يظهر الشخص المناسب، ولكن وبالسهولة نفسها، يمكن لهذا الحب أن يتدهور تلقائيًا عندما يختفي السحر الذي يصاحب الفترات الأولى من العلاقة؛ بمعنى كما تقع في الحب يمكن أن تخرج منه!

إذن ما هو الحب، الحب الحقيقي الدائم؟ الحب هو ذاك الارتباط الذي ينتج عن التقدير العميق لطيبة الآخرين. إذا كان الحب يأتي من تقدير الطيبة، فلا داعي لأن تنتظر حدوثه، يمكنك تحقيقه، كيف؟

لأن الحب أمر ديناميكي ونشط. يمكنك خلقه داخلك، ركز فقط على الأمور الإيجابية في الآخر، فكل فرد لديه جانب خير ليس بالضرورة أنه ظاهر للغير، ولكن إذا كان بإمكانك التوصل إلى تلك النقطة من شخصيته، فسوف تُحب، لأن رؤية الخير هي أول الطريق. اتخاذك لهذا الطريق اختيار، والحب اختيار. وعندما يتوافق عطاؤك مع تعاطفك، وتعطي ليس لأنك تريد بل لأن ذلك ما يحتاجه الآخر، الشعور بالمسؤولية والاهتمام برغباته، التعاطف، التقدير، والمساعدة على النمو، وقبل ذلك الانفتاح والتقبل حتى يرتاح ويتجاوب معك بالتقرب وعرض ما بداخله دون حرج أو خوف، هنا تكون قد بنيت اللبنة الأولى للعلاقة، لأن كل ما سبق سوف يؤدي إلى المعرفة، فلا يمكنك الاعتناء بالآخر والاستجابة له واحترامه إلا بقدر ما تعرفه. حدثتني يوما صديقة عن سبب زواجها السعيد الذي امتد لأكثر من أربعين عامًا، وما زال مستمرًا، قائلة «إن العلاقة لها تقلبات، ويمكن أن تكون هذه التقلبات مرتفعة أو منخفضة، وعندما تكون منخفضة يكون أمام الفرد ثلاث خيارات: المغادرة، أو البقاء في زواج بلا حب، أو اختيار حب زوجك، وأنا اخترت أن أحب زوجي».

ومن أسباب السعادة أيضًا؛ الراحة النفسية، ولا توجد هذه الراحة مع الشعور بالحزن أو باليأس، أو بالنقص، أو بعدم الرضا، أو الشعور بالعجز، وعندما تنتابك مثل هذه المشاعر يمكنك الاختيار ما بين مع أو من دون، بمعنى عليك أن تقرر أنه يجب أن تظل سعيدًا دائمًا، بغض النظر عن وجود أو عدم وجود ذلك الشيء في حياتك. والخيار لك، إما العمل على «تحقيقه» أو «نسيانه» أو «استبداله». وتذكر أن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تكون ممتنًا وشاكرًا، قد لا يكون لدينا كل شيء في الحياة ولكن يمكننا دائمًا الحصول على شيء ما، املأ روحك بمشاعر الرضا، ولا تكن شخصًا يسعى دائما للاستحواذ على كل شيء، ولا تكن جشعًا لا يشبع، ينظر دائما إلى ما لدى الغير! بالنهاية لا يهم ما نتوقعه من الحياة بل ما تتوقعه الحياة منا. ببساطة، تأتي السعادة من الرضا وتقدير ما تحصل عليه بدلاً من الحصول على كل ما تريد، ولا تنسى بأنه ليس كل ما تريده ينفعك!