"كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في هذا العالم".. هكذا يقول المهاتما غاندي عندما أدرك أن النفس البشرية عبارة عن ثنائية العبادة والشرك بين الأصنام البشرية المتمثلة في الطبقة النبيلة من ذوي الدماء الزرقاء، وبين صنم العرف الباطل المتمثل في التصنيف الطبقي.
إن المجتمع الطبقي يختلف في نظرته إلى الأفراد، وفي التمييز والتفاضل بينهم؛ فهذه المجتمعات تكوّن مجموعات متضاربة المصالح داخل المجتمع الواحد.. هذه المصالح تتعلق عند بعض الأطراف بالبقاء في وضع السيطرة، وتعني عند أطراف أخرى البقاء علي قيد الحياة بأقل حقوق ممكنة، ومن هنا يتغير لون دماء الطبقة العليا المسيطرة من اللون الأحمر، إلى اللون الأزرق.
ويعود استخدام مصطلح (الدم الأزرق) إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، فقد وصفت به السلالات النبيلة في بريطانيا، بعد استعارته من الإسبانية، حيث كان وصف العائلة المالكة الإسبانية لدلالة نقاء دمها من أي دماء لليهود أو المسلمين من بني الأحمر. وقد تطور هذا المفهوم ليكون سائدا بين أسر النبلاء استنادا إلى أن شرايين أيديهم تميل إلى الزرقة، حيث يختلفون عن غمار العامة الذين يقضون وقتاً طويلاً في العمل الشاق الدؤوب والمتواصل مما يؤدي إلى بهتان سحنتهم، بينما لا يقوم النبلاء من ذوي الدم الأزرق بعمل يذكر.
ويؤكد المؤرخون أن المصطلح قد جاء من النبلاء الإسبان منذ القرن التاسع واستمروا على مدى 500 عام في حروبهم رافعين سيوفهم ساعة ظفرهم بالنصر إبّان انتهاء المعارك لإظهار شرايينهم الزرقاء لإثبات أنهم من ذوي الأصول النبيلة.
وبالانتقال إلى مجتمعاتنا العربية نجد أن الدم الأزرق مازال يمارس دوراً كبيراً وفعالاً في شتى النواحي، ابتداءً من جشع تجار الخليج وغلاء الأسعار غير المبرر، وانتهاءً بعبث رجال الأعمال في مصر الذين يسارعون إلى دفع الأموال لصالح مرشح معين يخدمهم بطريقة أو بأخرى فيما بعد.
إن وجود هذه الدماء في أي مجتمع يجعل مكوناته تتجاوز كل عوامل الوحدة الأخرى التي يمكن أن توحده.. فحتى عوامل مثل وجود لغة واحدة، أو دين واحد، أو وحدة جغرافية ثابتة، لا تجعل من الممكن لهذه العناصر المكونة للمجتمع القدرة على تجاوز الاختلاف الأساسي بينها، وهو التصنيف على أسس قبلية أو طبقية.
ولما كانت المجتمعات الإنسانية مبنية على تفاوت قابلية الأفراد في التحصيل وبذل الجهد، أصبح نشوء الاختلاف في تملك الثروة وبذلها أمرا حتمياً. ويدل هذا الاختلاف على تنوع وتفاوت الأدوار والوظائف الاجتماعية بين الأفراد. وهذا التنوع يتطلب اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة فحسب، ولا يتطلب تعدداً للطبقات الاجتماعية، وتغييرا في ألوان الدم، حيث يبدو أننا نحتاج أن نمارس عمى ألوان ضد بعض الدماء.
ذوو الدماء الزرقاء في كل الدنيا، وضعوا القوانين اللا إنسانية المجذرة للتصنيف البشري، حتى دماؤهم ورثوها لصغارهم وقتلوا كل البراءة فيهم، فأصبحنا اليوم نقابل أطفالا في المدرسة الابتدائية ينظرون بفوقية لزملائهم وأساتذتهم، باعتبار أنهم من بني الأزرق، يكررون باستهزاء وتعالٍ (أنت ما تعرف أنا ولد مين؟).
لن تكون هناك مدينة فاضلة ما لم يكن هناك فضلاء حقيقيون، وإلا فكيف تستطيع بعض الجهات وحدها مواجهة عهد بشري اتكالي قائم على طبقات وتصنيف وخطب حشوية خالية من الإشارة للحاضر والواقع بانحرافه وتعاليه عن أمر الرب القائل في كتابه الحكيم: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"؟