قدمت حنة أردنت في كتابها «إيخمان في القدس/ تفاهة الشر» شهادة غير مسبوقة عن انقلاب لتاريخي في القضاء والعدالة أعني العقوبة ليست من أجل العصيان بل العقوبة من أجل الطاعة.
الكتاب في الأصل تقرير أعدته لإحدى الصحف الأمريكية عن محاكمة إيخمان؛ فهذا النازي حوكم لا لأنه شق عصا الطاعة على هتلر، إنما لأنه أطاع أمر هتلر في إحراق اليهود. وبسبب هذا التقرير الذي تحول في ما بعد إلى كتاب أصبح مفهوم «تفاهة الشر» أشهر مفاهيم الفلسفة السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين.
يعني هذا المفهوم عند حنة أرندت، مطبقا على أيخمان أنه لم يكن شخصا شيطانيا حين فعل ما فعل، ولم يكن متطرفا في معاداته للسامية، وكل ما أراده هو أنه يريد أن يترقى في حياته الوظيفية. لقد كان رجلا عاديا. صحيح أن أعماله وحشية، لكن الرجل كان تافها. هناك بون شاسع بين هول الجريمة وعادية المجرم، فهو رجل بلا طعم ولا رائحة. وهو على استعداد لأن يرسل والده إلى الموت إذا ما طلب منه مرؤوسوه ذلك. إنه شخص يعجز عن أن يقول ولو جملة واحدة خارج نطاق الكليشيهات. لقد ارتبط عجزه عن الكلام بعجزه عن التفكير، وبخاصة التفكير من وجهة نظر شخص آخر. غبي غباء مذهلا، وخادع لنفسه بالكذب. هذا الرجل ليس وحشا، ومن الصعب ألا يشك أحد أنه مهرج.
زعزع مفهوم «تفاهة الشر» تقليدا أخلاقيا متجذرا في الفلسفة الغربية يؤصل أفعال الشر على أنها تنبع بالضرورة من نيات شريرة، فأيخمان لم يكن كذلك، فهو ليس قاتلا. إنه موظف ينفذ الأوامر، ويريد أن تزيد مرتبته الوظيفية، لا يفكر في عواقب أفعاله، ويرى نفسه مواطنا صالحا لأنه ينفذ أوامر الشخص الأعلى منه رتبة. لم يكن أيخمان قادرا على أن يفرق بين الخير والشر بسبب المناخ العام في ألمانيا النازية الذي يدفع الفرد إلى أن يفعل من دون أن يعرف أنه يفعل شيئا خاطئا، ولا حتى يشعر بذلك.
2
يمكنني استخدام مفهوم «تفاهة الشر» لأقرأ بواسطته أفعال الجماعات الدينية المتطرفة، والجماعات الجهادية في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وأوائل هذا القرن. أعضاء هذه الجماعات ليسوا شريرين كما هو مفهوم الشر تقليديا. هم تافهون بالمعنى الذي شرحته حنة أردنت. رجال عاديون لكنهم يريدون أن يترقوا إما في الجماعة أو في الجنة، رجال بلا طعم، ضحلين فكريا وأخلاقيا، خاوين من الداخل. يبدون خارج جماعاتهم وتنظيماتهم أشخاصا عاديين، وغير قادرين على إنزال الأذى بأحد، وربما بدوا مثيرين للشفقة أو في حالة يرثى لها. لكن الشر يظهر منهم فجأة، وغير متوقع، شر يفتقر إلى العمق وإلى أي بعد شيطاني، ومع ذلك فهو شر مدمر أكثر من أي شر آخر. حالات كثيرة تفكر أنها لا تستطيع أن تهش ذبابة، ثم تعرف أنه فجر نفسه أو قاد شاحنة متفجرة. شر يتحدى الفكر ويولد فشلا في التفكير، وحين تبحث لتتقصى مبادئه وأصوله ترتبك لأنك لا تجد شيئا، وهذا هو تفاهة شر هؤلاء.
أنا لا أبريء هؤلاء من جرائمهم الفظيعة، لكن بمقدوري القول إن ضميرا إنسانيا جديدا نشأ في مجتمعاتنا الإسلامية قتل ضمائر هؤلاء الإنسانية لأنه أشعرهم بأن عليهم ألا يشعروا بالذنب تجاه أفعالهم. لقد كانوا إشارة شاملة إلى الانهيار الأخلاقي والفكري في مجتمعاتنا. لقد كنت في دولة عربية في يوم تفجيرات 11 سبتمبر والأيام التي تلت تلك الأيام العصيبة على مجتمعاتنا، وشاهدت مقدار الفرح في ذلك المجتمع؛ حتى إن أغلب الطلاب حضروا إلى المدرسة بأقمصة تحمل صور أسامة بن لادن.
لم يكن في مجتمعاتنا الإسلامية أصوات توقظ ضمائر هؤلاء. إن حفظ النفس هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية؛ أي لا تقتل. لكن المجتمعات الإسلامية التي يعيشون فيها هؤلاء تقول لهم: اقتل. لقد أعادت جماعات الإسلام السياسي تعريف الشر في المجتمع الإسلامي، حتى إن الناس لم يعودوا يعرفون طبيعته الشر. أعادت هذه الجماعات تعريف الشر كقيمة دينية؛ بحيث أصبح الناس يتعلمون كيف يقاومون الخير، وضمن هذه البيئة الثقافية والاجتماعية المقلوبة، لم يكن هؤلاء الأشرار واعين بما يرتكبونه من شر.
أما أكثر جوانب الموضوع سوادا فهو التملص الدائم من علماء دين آخرين. فهؤلاء الأشرار الذين جعلوا الشر تافها (باغون) و(خوارج)؛ وهما وصفان لا يمكن أن يوصفا ما ارتكبه هؤلاء من فظائع. إن وصف هؤلاء بأنهم خوارج وبغاة هو حكم عليهم وليس على نظام الحقيقة الذي يتمسكون به، فلا أحد من علماء الدين حاكم نظامهم للحقيقة، وهو بطبيعة الحال نظام يبتكر التشويهات والقراءات الخاطئة. وهذه التشويهات والقراءات جزء من نصوص نظام الحقيقة الذي يؤمنون، بل إن هذه النصوص هي ما تجعلها ممكنة.
3
بتنا اليوم نعرف بفضل الدراسات النقدية الحديثة أن عالم البشر الداخلي يتكون من شذرات من عديد من النصوص التي تعيش في عقولهم، ونادرا ما استوعبوا نصوصا كاملة، بل تعيش في عقولهم الصور والعبارات والكتل النصية المنعزلة في تجمعات سائلة تؤثر وتتأثر ببعضها البعض. وبنفس الطريقة لن يوجد القرآن في عقل المسلم ككل كامل، إنما في شكل آيات أو أجزاء من آيات أو مقاطع من سور. ومن المناسب أن يختار المسلم آيات معينة تعيش في عقله كآيات الترغيب والنعيم، والسلام والمحبة، وقل مثل ذلك عن مفاهيم أخرى كاحترام الآخر والتعدد، والتسامح، والتعايش. يسمي أحد الباحثين في تاريخ الكتب المقدسة مثل هذا الاختيار بـ«قانوننا داخل القانون». وهو قانون يستطيع أن يهدئ الكراهية الدينية.
يمكن لقارئ القرآن أن يكون معناه الخاص ويبنيه، لأن المعنى لا يعطيه أحد لأحد. هذه المساواة في المعرفة بينه وبين من يريد أن يلقنه المعنى هي أعظم مساهمات العلم الحديث؛ فقد أتاح للفرد أن يتحدى الحقيقة التي يدعي أصحابها أنها الوحيدة. سيبني قراء القرآن المختلفون معاني مختلفة؛ فالمعنى ليس شيئا يمكن أن يمنحه رجال الدين إلى قراء القرآن الآخرين. المعنى ليس ثابتا ولا نهائيا. والأهم من هذا كله هو أن الاعتراف بأحقية قارئ القرآن في أن ينتج معناه تجعل من قراءة القرآن أكثر من مجرد علاقة بين إنسان ونص، وتتحول من حيث هي تكوين للمعاني المختلفة والمتعددة من قبل قراء مختلفين ومتعددين فضائل يومية، وطرقا يعتادون عليها، ليس في القراءة فقط إنما أيضا في الحياة اليومية.
يفتح تكوين قراء القرآن معانيهم الخاصة أمامهم طرقا متعددة للرؤية والشعور والتفكير. وحين يعرف القراء قيمة تعدد معاني القرآن بتعدد القراء ستتكامل وجهات نظرهم المختلفة، ويدعم بعضها بعضا. وبهذا التعدد في تكوين المعنى الخاص بكل قارئ للقرآن يتدرب قارئه على الحياة. ويتعلم أن كل قارئ للقرآن يتعرف وجها من وجوه الحقيقة المتعددة، وجانبا من جوانب الواقع، وأن كل معنى خاص يكونه قارئ القرآن ويبنيه يضيف لونا آخر لطيف الحياة. وكما قال عالم النفس التحليلي يونج: تتطلب الحقيقة إن كانت موجودة أصلا كونشرتو من الأصوات المتعددة. بهذا يقضي المعنى الخاص بكل قارئ للقرآن على إرادة الحقيقة التي يتحدث عنها رجال الدين. إرادة الحقيقة التي وصفها نيتشة بالسفينكس. ذلك الوحش الأسطوري بوجه امرأة، وجسم حيوان، وصدر وأرجل أسد وأجنحة نسر. عندئذ لا يصبح السؤال لماذا الحقيقة؟ بل لماذا ليس اللاحقيقة؟ لماذا ليس اللايقين، لماذا لا يكون حتى الجهل؟ هل اعترضتنا مشكلة الحقيقة أم نحن الذين اعترضناها؟ من منا أوديب ومن منا السفينكس؟ نحن على موعد مع الأسئلة وعلامات الاستفهام. وفي ضوء أسئلة كهذه لا بد من أن الحقيقة ستبدو لنا كما لو أنها مشكلة لم تطرح علينا ولو مرة واحدة. كأننا نشاهدها ونبصرها ونجازف بخوضها أول مرة.