العالم اليوم ليس هو عالم الأمس، فبعد الاقتصاد الصناعي، جاءت التقنيات العالية، وصار مفهوم الوطن أساسياً في الموازين العالمية، إذ إن الثقل السياسي يعتمد بشكل كبير على تقدم البلدان، هذا التقدم لا يمكن أن يحدث في يوم وليلة، فلا يتغير وفق سرعة تغير القناعات بضرورته، إنما يحتاج إلى أمن واستقرار سياسي، ونفس دؤوب لتتقدم البلاد، لوضع اللبنة فوق الأخرى حتى يبنى صرح البلاد.

تقدم البلدان ينعكس على امتيازات المواطنين، ويلمسونه في حياتهم، على المدى البعيد، من حيث الرفاهية، والتمتع بالحقوق، وما يمنحه ثقل بلدانهم على صعيد السياسة، والاقتصاد، في جانب السفر، والقدرة على الاستثمار، وجذب الناس من الخارج للعمل أو السياحة وغيرها، في ظل ظرف كهذا يتهافت تسطيح العالم، لصالح التخصصات، والخطوات الاستراتيجية التي توزع الحمل عليهم للقيام بالمهام المناطة بهم.

تضحى الهوية الوطنية أساسية في تشكيل وعي المواطن لفهم موقعه في عالم اليوم، ووظيفته اتجاه بلده تنعكس عليه، فالصرح الذي يعيش فيه، لم يبن في يوم وليلة، وليس عرضة لأن يكون في مرتبة ثانية في سلم أولوياته، وأي خطورة يتعرض لها الوطن تعني بالضرورة أن نتائجها ستنال من المواطن، هكذا ترى بلدان العالم نفسها اليوم، ومن لم يقدر على تصور أن بلادنا حرسها الله جزء من العالم، قد أكدت مكانتها اليوم بدخولها بتسارع في التقدم والتحديث، مع رؤية القيادة بعيدة المدى، لتدخل المملكة هذا العالم وقد تجاوزت التحديات الجسام الواحدة تلو الأخرى.

ولا بد أن يكون الوعي بقيمة الوطن، وأنه في الواقع الذي يحدد قيمة الإنسان الواقعية في هذا العالم، فلا يمكن لأي قناعة أن تغفل أنه من دون هذا الوطن لا يمكن لهذا المواطن حتى أن يفكر بمواضيع متنوعة، بالتالي تكون الأولوية لهذا الوطن الذي شرط أساسي في مجمل نواحي المواطن من مختلف المجالات الدينية، والمادية المتنوعة.

في هذا تتشكل عقيدة قتالية، تجعله يدرك لما يجب أن يكون في جاهزية للدفاع عن بلاده، في وجه أي خطر محتمل، إن بلاده هي وجوده الفعلي في هذا العالم، وفق الموازين الحديثة لهذا الوجود، فكم من بلد آخر حين قلل أهله من شأنه في وجودهم الفعلي في العالم، وغامروا بخطوات غير محسوبة، حتى أضحى وجودهم عبئاً على غيرهم، فحين يتحول المواطن إلى لاجئ أو ساع لمعونة الآخرين في العالم، يكون في الواقع قد انتهى من وجوده السياسي، لينتقل إلى وجود مرتبط بإخلاص المتعاطفين لقيمهم الأخلاقية التي تحث على التعاطف مد يد العون للضعفاء، ليس أكثر من هذا، بلا سماع لأي مطلب له في السياسة ونحوها أو وضع شروط أو وقوف بالند لخصم.

وأي مهاجمة للوطن إنما هي دعاية مضادة لجهات تمني نفسها في أن تجد الدرع الشاملة للمواطنين في حالة ضعف، لتستغلها دول لصالحها، يجب ألا تكون العقيدة القتالية حكراً على الجنود فحسب، بل يجب أن يستشعر المواطن أنه جندي للوطن يلبي نداء الواجب في موقعه، وألا يسمح بأن يؤتى من قبله، أقول هذا وأنا أطالع أخيراً بعض الدعوات التي يتشارك فيها بعض المتطرفين، في تقاطع مع تركة يسارية متطرفة لا ترى في الوطن شيئاً ذا بال، وتحاول أن تجعل أفكارها بديلاً عن الوطن، على أن الواقع يكذب تماماً ما يطرحونه، فهو مجرد أيديولوجيا لا تحوي شيئاً على الأرض، لا حدود ولا ملامح، لا صناعة ولا تقدم، إنما تحاول أن تعبث ببعض عقول الناشئة لتوهن رابطتهم ببلدهم، وأنفع الناس أنفعهم لأهله، وأولى المعروف ما يكون في بلد المرء، ومتى كان وطننا قوياً فإنه الأنفع حينها لغيره من البلاد التي متى صدق أهلها في الحرص على خيرهم لأدركوا هذه البديهة، دون الحاجة إلى طول تأمل.

وبهذا تتحدد أكثر ملامح العقيدة القتالية وفق مفهوم الوطن، بأنها الانتماء والولاء للوطن، والحرص الدائم على استقراره وأمنه السياسي والاقتصادي، فضلاً عن الدفاع عن هويته الدينية والثقافية في وجه التحديات المتنوعة، والسعي إلى رفعة شأنه والإعلاء من كلمته، ومواجهة الحملات الدعائية المضادة ضده، والتنبه إلى أن أي شعار يغفل من جعل البلاد ومصالحها في سلم الأولوية إنما هو مفهوم دعائي مضاد، يجب الحذر والتحذير منه.