تعجبني تلك الشخصية، التي يعبر صاحبها عن آرائه ومطالبه ومشاعره ومواقفه، بما يتوافق مع المعايير الدينية والاجتماعية والقانونية، تعبيراً ملتزماً بالعدل، وعدم التعدي على حقوق الآخرين ومشاعرهم، محترماً قوانين وأنظمة المجتمع، الذي يعيش فيه، أعشق تلك الشخصية التي تدافع عن آرائها ومبادئها بلا عدوانية، ولا تعجبني تلك الشخصية الخانعة لرغبات وآراء الآخرين.

فالشخص المذعن في مجال عمله لا ينتج، لأنه قد جعل بينه وبين الإبداع حجابا اسمه الإذعان، وفي عائلته لا يبدي رأياً، ولا يقدم حلاً، إنه يتبنى آراء الآخرين ويصادق عليها وينفذها.

وبما أن الشخصية الأولى تعجبني إلى حد العشق فإن تبنى هذه الشخصية أمر هائل وعظيم وبديع، عندما يعبر الفرد عما يدور في نفسه بثقة، ويتفاعل مع الآخرين بثبات، واتزان انفعالي، لا يتجاوز بشتم ولا قذف ولا جرح مشاعر، ويعي ما يقوله لهم، عندما يحقق ذاته بدفاعه عن آرائه ومبادئه، فإنه شخص صاحب سلوك توكيدي، لأنه يسعى لأن يحقق لنفسه درجة من الأمان النفسي، والراحة النفسية، ويستطيع أن يتخذ قراراته ويحل مشاكله، لأنه مستقل.

كم أتألم لذلك الشخص الخانع، الذي يتردد في الطلب، مهما كانت بساطته، لا يستطيع أن يقول أنا أريد، لا أسمعه يوماً يقول: أنا أرى أو أقترح، مثل ما يقول له الآخرون ينفذ خانعاً منقاداً، على حساب صحته النفسية، مع أنه يتمنى أن يقول «لا»، ويؤمل النفس أن يقول عندي اقتراح، ويريد أن يقول أنا لا أتفق مع ما تقولون!!! لكنه لا يستطيع.

عندما يلاحظ الكثير من الناس شخصية فرد، لديه سلوك توكيدي قوي، فرد يقدر ذاته، ويطلب ما يراه من حقوقه بلا تردد، ويدافع عن رأيه بقوة وبحزم وثبات، فهنا يبدأ التصنيف غير المنطقي، فيصفونه بالشخصية الانفعالية، وهم لا يعلمون أنه صاحب شخصية قوية تقول «لا» في الموقف، الذي يستحق قول كلمة «لا»، عندما يريد الآخرون أن ينفذ مطالبهم، ويتبنى فكرهم وآراءهم، بينما هو يرى عكس ذلك لأنه يحترم رأيه، كيف يوصف بالانفعالي؟ كلا إنه شخص قوي، لأنه لم ينسَ نفسه، ولم يتنازل عن مطالبه، ولم يقمع رغباته ويكبتها.

طالما أنه لم يكسر عظماً، ولم يلطم وجهاً، ولم يفرض رأياً بالقوة، ولم يجرح بكلمة واحدة مشاعر أحد، ما دام أنه مخلص، نزيه، حريص على أن يسير الشيء كما ينبغي أن يكون، يرفض أن يتنمر عليه أحد، فهو ليس انفعالياً ولا عدوانياً، إنه يقول بأعلى صوته وبالفم المليان: سلاماً... أنا شخص صاحب سلوك توكيدي.

من وجهة نظري إنه شخص يتمتع بصحة نفسية رائعة، شخص واضح، مسؤول، مبدع، منتج، واثق من إمكانياته وقدراته، محب لمجتمعه، على عكس الخانع، الذي بانقياده للآخرين يضر نفسه وأسرته ومجتمعه، عندما نعلم أبناءنا أن يقولوا «لا» فسوف يدافعون عن أنفسهم من كل ضال مضل، منحرف ضامر للشر لمجتمعه، ومن كل مروج للسموم، ومن كل صاحب شر.

ألم يضر المنقاد لأصحاب الفكر الضال نفسه وأسرته ووطنه؟.. لو تعلم أن يقول «لا» عندما غُرر به، هل كان سيجد نفسه مع أمثال هؤلاء الضالين المضلين؟.. ما هي النتيجة لو قال الفرد «لا» لمروج مخدرات قبل أن يقع في الفخ؟.. المسألة مسألة تعليم لأبنائنا على هذا النوع من السلوك، من خلال التعليم والأسرة والإعلام وغيرها.

ولنخفف من انتقاد أصحاب السلوك التوكيدي، بل على المصنفين لشخصيات الناس، أن يتريثوا قليلاً قبل إطلاق العنان لأنفسهم في وصف الناس، هذا انفعالي وهذا قلق، وهذا حساس!!!

صنفوا كما تشاءون، صاحب الشخصية القوية سيكتسب منه أبناؤه هذه الشخصية، وهنيئاً له لأنه سيزرع فيهم سلوكاً توكيدياً قويا.... أهلاً ومرحباً بها شخصية كهذه تلبس صباحاً ولا تفارق إلا عند النوم!!!

البعض ممن اختلطت عليهم بعض المفاهيم، يستخدمون بعض المصطلحات في غير موضعها فتارة يقولون تغافل، وتارة أخرى يقولون تجاهل!!! وهل التغافل والتجاهل صالح في كل موقف؟ بالطبع لا... درجة ونوع الموقف هما ما يحدد أتتغافل وتتجاهل أم تواجه؟ الهروب من المواجهة، والتحويل إلى أرشيف الذكريات مؤثر نفسياً، وسيندم المتغافل لأنه لم يبدِ رأياً على الأقل، فالصحيح أن التغافل والتجاهل عن اليسير، الذي ليس فيه ضرر، أما ما هو مكرر مؤذٍ للنفس فلا، هنا إبداء الرأي والشكوى والدفاع عن الحقوق لا حرج فيه، هذا احترام للذات، لا دخل لذلك بالعدوانية ولا الانفعالية، فالشخص الانفعالي العدواني، هو من يبدأ يومه بضرب هذا وشتم ذاك وأخذ مال تلك، ظالماً ظلوماً متنمراً على من حوله، أين ما يكون تجده مكروهاً من الجميع لأنه عدواني، أما من يحترم ذاته ويقدرها، ويناقش ويحاور، ويعرف متى يقول «لا»، فهذا بعيد كل البعد عن هذه الشخصية.

من يربي ابنه على تبني هذه الشخصية المستسلمة، أقول له بكل صراحة: أنت ظالم لنفسك وابنك ومجتمعك.