قبل البدء في الفذلكة، هل تعرفون ما معنى أنسنة المدن التي نسمع بها شبه يوميًا في وسائل الإعلام؟

أم أننا نعتقد أنها مجرد تسميات بهرجة لتفاصيل حياة لا تخصنا؟ باختصار الأنسنة هي جعل المدينة أكثر قابلية ليعيش الإنسان إنسانيته. قد يكون التعريف حادًا، ولكن هذه الحقيقة. إن أخذنا مفهوم الأنسنة على مثال أصغر، فليكن بأنك إن قدمت إلى منزل جديد، عبارة عن جدران صماء، وألوان واحدة ولا حياة أو روح فيه، تخيل أنك تسكنه لوحدك دون اي إضافات، كم ستمضي وأنت صابر قبل أن تترك تلك الجدران مهما كلفتك من مبالغ لبنائها. أما إن أحضرت الأثاث الملون فستبدأ تتغير مشاعرك نحو ما حولك، فما بالك إن بدأت بإحضار نباتات طبيعية، وأوسعت مداخل الشمس، وأبقيت الفواكه متناثرة حولك والماء النقي، وأضفت لمنزلك جهازا للتمارين الرياضية، وكتبا تدعو للتفاؤل ومكينة للقهوة و.... و..... الخ. ستبدأ تنشأ بينك وبين منزلك علاقة وطيدة، سببها شعورك أنه يلبي رغباتك الإنسانية في عيشك حيا وليس ميتا في جسد يتحرك.

هذا هو مختصر أنسنة المدن، إذ أعلنت أمانة مدينة الرياض عن إنشاء وتطوير حدائق، ضمن خطتها لأنسنة ما يقارب 43 حيا بمساحة تقارب 900 ألف متر مربع، لتكون الحدائق على بعد 10 دقائق مشيًا لسكان تلك الأحياء. وليس هذا الجميل فقط، بل الأجمل هو أن تلك الحدائق وتصميمها والخدمات الترفيهية الملحقة بها كالملاعب والنوافير وغيرها، هي من أفكار سكان تلك الأحياء أنفسهم، بعد إشراكهم في ورش عمل تفاعلية مع الشركات المنفذة لتلك الأنسنة.

ما أريد قوله إننا إن استوعبنا ماهية الأنسنة، فلن تمر علينا أخبار كهذه مرور الكرام. فالأنسنة بالمستقبل القريب تعني تحولا جذريا في الصحة العامة للمجتمع، فممارسة الرياضة تعني انخفاض أمراض ضغط الدم والكوليسترول، تعني تخفيف ضغوطات الحياة بالتخلص من الاكتئاب وتحويل الطاقة الكامنة للفرد إلى طاقة إيجابية تجعل الذهاب للعمل، لمزيد من الإنتاجية وليس لمزيد من التعقيد والرتابة والروتين القاتل، تعني أن تدب الحياة في الخدمات المقدمة لنا، فتجد موظفًا مبتسمًا لا «مكشرًا»، تجد أسرة مستقرة متحابة لا متناحرة، تعني انخفاض معدل الجريمة، وزيادة مشاركة فئات المجتمع خصوصًا المراهقين في تحسين جودة حياة المجتمع وليس دماره وتفككه. فإن كان ابنك الطالب هو من شارك في اختيار ألوان مدرسته الزاهية لأنسنتها، فسيذهب كل صباح ليكمل البناء وليس لهدم ما تم بناؤه، سيعلم أنه محور الاهتمام وليس محور «التغثيث» وفرض الأوامر عليه في فترة عمرية حرجة تشكل بقية حياته لما عاش منها.

علينا أن نعي أهمية ما يدور حولنا، فنكون على وعي ودراية بأن (أنسنة المدن لأنسنة الناس).