يجب أن يخاطب المسرح المجتمع مما يعنيه عن صميم ما يعانيه، ليس عن أمور هامشية، وليس من باب أولى عن أشياء تلهيه.

إنني لا أفهم المسرح في نطاق المصطلحات، وإنما أفهمه من خلال تاريخه. أعرف أن أول مسرح منظم نعرفه في تراث المسرح العالمي كان عبادة وطقسًا من أجل خير الجماعة. هكذا كان المسرح اليوناني، وهكذا أيضًا كانت أول أعمال كانت أول أعمال درامية عرفها البشر في حياتهم البدائية. إن ساحر القبيلة الأولى حين كان يتقمص دور الصياد - ويصارع الوحش الوهمي برقصاته الإيمائية وأناشيده السحرية كان يمارس طقسًا دراميًا يهدف إلى غاية مباشرة هي بث الشجاعة في نفوس أبناء القبيلة وحين كانت القبيلة تشارك معه بالرقص وترديد الدعاء فقد كانت تشارك في الطقس الدرامي: في متعة لها غاية.

وفي رأيي أن المسرح الحقيقي لم يفقد ولا ينبغي أن يفقد أبدا صلته بهذه النشأة البدائية الأولى. الكاتب المسرحي الحقيقي هو وريث ساحر القبيلة الأول - هو ضمير مجتمعه ورائده القادر على التأثير عليه من خلال المتعة وبفضل المشاركة. ومعنى ذلك فيما أتصور أن هذه العناصر جميعًا يجب أن تتوفر لكي يكون المسرح حقيقة ووجودًا فعالًا في المجتمع. يجب أن يخاطب المسرح المجتمع مما يعنيه عن صميم ما يعانيه، ليس عن أمور هامشية، وليس من باب أولى عن أشياء تلهيه عما يعنيه. وحين يخاطب مجتمعه فيجب أن يفعل ذلك بأقصى قدر من التأثير.. ويتضمن هذا أن يهتدي إلى أنسب شكل فني قادر على التأثير على جماعة معينة في ظرف تاريخي محدد، وهو بهذا يضمن التواصل مع هذه الجماعة ومشاركتها في الفعل المسرحي. بل وأكثر من ذلك فإنه يضمن لعمله البقاء.. فإن مراجعة كل تراث المسرح (الخالد) يكشف إلى أي حد كان الكتاب الذين حققوا الخلود منعمين في هموم عصرهم وقادرين على التعبير عنها بصدق.


1972*

* كاتب وروائي مصري «1935 – 2022»