حين ينكسر المكان داخل النفس البشرية، فإن الذاكرة تشدد قبضتها على امتلاك المخيال الكامن في ذاتها، فتأبى شعورياً انفلاته بالغياب أو الإلغاء، فالروح المرهفة تحيل المكان إلى هاجس مؤرق متخم بالتوق والتواشج والصرخات الموجوعة والدمار النفسي وفوضى الحواس وتصاعد القلق والأنين المرير المسكون بالحزن، فيتحول المكان "المدينة" على سبيل المثال إلى بعد توثيقي يخاطب الحياة والناس، وإلى بنية كنائية ترميزية ضاجة بالوجد والاغتراب المتمرئي والبوح الراعف المتمظهر بالمكبوتات واللوعة الصادمة، فالمدينة العربية شكلت نمطاً تأثيرياً في حياة الإنسان العربي، وبالذات في مضمونه الشعري وبعده الإيحائي، فتذهلك تلك المنطوقات والتفجعات ورعب الرحيل والتحسر على المجد المفقود حين يتلاشى المكان، ونرى تأرجح القصيدة بين الأمل المبهج واليأس المتجهم، وبين الخلاص المشع ودكنة الظلام "وقد عرف الشعر العربي هذا اللون الشعري _ رثاء المدن _ المتسم بالبكاء وذرف الدموع والتحسر على المدن التي تسقط من جراء الإحن والفتن الداخلية، فقد ضرب بجرانه في الحقب الأولى من قيام الدولة الإسلامية" كما يقول الدكتور رعد الوائلي، وتعود جذور هذا الاتجاه الشعري إلى العصر الجاهلي ممثلاً في وقفة الشاعر على الأطلال ضارباً أروع الأمثلة في الالتزام تجاه أهله وقبيلته الذين ألفوا التنقل من مكان إلى آخر بسبب الحروب التي كانت سجالاً بين الأقوام والقبائل، وقد وقفتُ أمام قصيدة للشاعر هارون بن هارون يرثي فيها مدينة "إشبيلية" في الأندلس بعد حصار دام عاماً وخمسة أشهر، والأغرب أن هناك اسماً آخر يطلق على هذه المدينة وهو "حمص" والمتأمل في جوهر القصيدة يشعر أنها كتبت هذا الصباح في حمص السورية، وكأن التاريخ يعيد انبعاثه وحركته ورموزه وطغاته ومجازره التي حدثت سنة 646، يقول ابن هارون:

يا حمص أقصدك المقدور حين رمى/ لم يرع فيك الردى إلاً ولا ذمما. جرت عليك يد للدهر ظالمة/ لا يعدل الدهر في شيء إذا حكما. يا سائلي عن مصاب المسلمين بها/ أصخ لتسمع أمراً يورث الصمما. لما تفرقت الأهواء واضطرمت/ نار البغاة فقامت للردى علما. ويمموا حمص في جمع يضيق به/ ذرع الفضاء فسوى الوهد والأكما. فكم صريع رضيع ظل مختطفاً/عن أمه فهو بالأسياف قد فطما. في كل حين ترى صرعى مجندلة/ وآخرين أسارى خطبهم عظما. يا عين فابكي على حمص وقولي لها/ منك البكاء إذا ما ترسليه دما. فقد أصيبت بها الدنيا وساكنها/ حقاً وأصبح ركن الدين قد ثلما. سطا بها الكفر إذ قل النصير بها/ فمن يعز بها الإسلام ما سلما.