وكلا المتناقضين يجتمعان في مقطع ساحر وبالغ السخرية على –اليوتيوب- بضعة من أشهر رجال المال يرقصون طربا حلالا على مسافة خطوتين من النقيض: من رجل أمن خاص يحرس قاعة الاحتفال التي أظلت بسقفها في ذلك المساء ما لا يقل عن مئة مليار بين أيدي بضعة رؤوس.. اللهم زد وبارك. وفي غمرة الطرب ونشوة – الدندنة – نسي حارس الأمن نفسه، ولولا شيء تبقى من وقار البدلة الصناعية لبدأت أطرافه، مع النقائض نشوة الرقص. كل النقائض تجتمع في لقطة ساحرة: رأس بألفي ريال في نهاية شهر على أطراف النشوة مع بضعة رؤوس بمئة مليار في خمسة أمتار مربعة. هو لا يعلم، مثلاً، أن – الثوب – الأبيض الذي يختال أمامه يحوي في جيوبه الثلاثة عشرين ملياراً من صنف مجلة – فوربس – لأصناف الأغنياء. هو لا يعلم، مثلاً، أنه، وبحساب ألفي ريال في نهاية الشهر، سيحتاج إلى مئة ضعف من عمر سيدنا – نوح – عليه السلام، كي يصل بالحسابات إلى – جيب – واحد من الثوب الذي يرقص بين يديه.
يأخذني هذا المقطع الساحر الساخر إلى ذروة المشهد: وحين تعجز (الاشتراكية) بكل أدبياتها وفلاسفتها عن توزيع المال، فإن – السعادة – تأبى أن تكون (دولة بين الأغنياء). تأبى خوالج النفس بفطرتها إلا أن تكون اشتراكية في لقطة نادرة. وعلى أنغام الموال الحزين، بعكس ليلة الحياة والطرب، تتراقص الدموع على مآقي الأغنياء وتلتقي رؤوسهم باكية إلى ماضي الذكريات وتتهادى خطواتهم إلى الجراح والآلام: تشعر أن المليارات التي تستطيع أن تحرك مدناً بأكملها لا تستطيع أن تحرك ابتسامة على شفاه نطقت حياتها مفردة – المليون – ألف ألف مرة.
تشعر أن – الألفي – ريال في آخر الشهر تحرك بدن صاحبها وتصنع على شفتيه وقسمات وجهه تلك السعادة الهائلة التي حولت كل وجهه إلى ضحكة هادرة. سآخذكم إلى قسمات وجهه: ما زال للفقر لذة لا تعرفها خلجات نفوس الأغنياء: ما زال صاحبنا يطير فرحاً حينما يكتشف في حسابه ألفي ريال نهاية الشهر، وربما أضعاف فرحة الغني بملياره الإضافي الذي لا لزوم له. ما زال صاحبنا يفرح بهدية الجمعية الخيرية لكرتون الدجاج أضعاف فرحة الغني بساعة الألماس المليونية التي أهداها لزوجته ليلة المناسبة. ما زال صاحبنا يفرح بسعادة طفليه على شاطئ الكورنيش أضعاف فرحة الغني بهبوط طائراته الخاصة وهو يذرع مدن الأرض التي لم يعد بها لديه ما يغري للاكتشاف، وبكل الاختصار الموجز: ما زال أمام الفقير ألف أمل لألف سقف جديد من الاكتشاف، أما الغني فقد طار فوق كل الأسقف ولم يعد له من جديد إلا أن يشاهد المقطع مثلنا ليعرف كيف تستطيع الاشتراكية أن توزع السعادة.