كان من أحد الأساليب التي مورست على المجتمع خلال الأربعين سنة السابقة، السيطرة على الفرد باحتلال الجانب النفسي (العاطفة الدينية) والنفاذ إليها، بالتخويف والترهيب والتشكيك، فانتشرت قصص الجن العاشق والسحرة الطائرين والنمنم آكل اللحوم البشرية، والكثير من المؤثرات التي لا تبتعد عن الحبكة الدرامية، إلا أن الفرد فيها ليس متفرجًا باختياره، بل أحد أفراد طاقم الفيلم رغمًا عنه، حتى أن هذه الإستراتيجية (التخويف والترهيب) عند مخرجي السينما يستخدمونها بحذر شديد وفي دقائق متفرقة من زمن الفيلم، خوفًا على سلامة المشاهد من الارتفاعات المفاجئة والمستمرة لهرمون الأدرينالين الذي قد يتسبب في حدوث اضطراب لجميع عمليات الجسم، ومن ناحية أخرى خوفًا على عدم حرق الحبكة فيغيب التشويق الممتع الذي عادة ما يكون مبنيًا على تفاعل جزء من عواطفنا، وهذا ما يبدو أن مخرج فيلم الصحوة لم يراعه، فأحرق الفيلم بممثليه، وقسم المشاهدين إلى فئة غير مقدر نسبتها من الأفراد ( المازوخيين)، وفئة أيضًا من الأفراد ( الساديين)، وفئة ثالثة بقيت خارج التصنيف لسلامة فكرها وبعدها عن تلك المؤثرات.

ولو أخذنا هاتين الفئتين من تلك الصناعة الصحوية، (المازوخي) و(السادي) واعتبرناهما مكونات النسيج الاجتماعي، وأنهما نقاط تجتمع كخيوط النسيج أفقيًا وعموديًا ضمن إحداثيات هذا المجتمع بأشكاله وتحولاته في العمل والمنزل والحياة بشكل عام، سنرى أن النسيج ما زال بحاجة إلى معالجات كتلك التي تمنع الأنسجة الطبيعية من التحلل والاهتراء و(الكرمشة) إن استدعى الأمر. وبشكل أدق لصناعة نسيج دقيق لا بد أن نعود لنقطة البداية التي أنتجت لنا بكرات من الخيوط السادية والمازوخية.

نعود لنقطة (العواطف) التي احتلت عنوة وتشوهت أثناء فترة الصحوة، مخلفة أجيالا لا ترى في الجمال قيمة،ولا في الحب عبرة، ولا تجيد السمو بعواطفها المشوهة، هذا إذا افترضنا أنها تمتلك شيئًا من العواطف.


ما بعد هذا الاحتلال الفكري الذي دام لأربعين سنة، نحن بحاجة لبكرات خيوط جديدة لا تربط النسيج ببعضه فقط، بل تربطه بمتانة وجودة، ولن يرتبط هذا النسيج بشكل متين وهو ما زال يجهل أسمى رابطة نقية تربط الناس ببعضها وهي رابطة (الحب)، وبحاجة ماسة لنبذ خيوط الكراهية وطردها من مكونات نسيجنا الاجتماعي. ربما تطول عملية النسج إلا أن صناعة المجتمع لا بد أن تتسخدم أدوات وخيوطًا أكثر جودة ومتانة من تلك التي استغفلت عواطفنا ونسجت بيوتًا واهنة كخيوط العنكبوت. نحن بحاجة إلى اعتماد (الحب) كمفردة خالية من التهم والأحكام الدينية والتصنيفات الاجتماعية في مناهجنا التعليمية باعتبارها علاجًا ناجعًا لحالة الكراهية التي خلفها الاحتلال الصحوي لأفكارنا، وبحاجة إلى إعلاء قيمة الفنون والإبداع في مناهجنا التعليمية، وبحاجة إلى إستراتيجيات عديدة تأمر بالحب وتنهى عن الكراهية، لأجل نسيج اجتماعي قوي ومتين.

وكما نحتاج للحب، نحتاج لمحاربة الجهل ولا أعني بذلك الأمية الصريحة، بل أعني بشكل دقيق وخاص ذلك الجهل الذي يروج له بشكل أكاديمي دون مراعاة للاختصاص فإذا بنا كأن لم ننته، فطالما كان الجهل موجودًا وشائعًا وله رعاة فمن غير المستبعد أن نُحتل فكريًا كما سبق ولأكثر من مرة.