منذ أحقاب الرعي والتجوال والبحث عن القوت والدفء، وحتى عصرنا القائم: عصر الكمبيوتر والحسابات الآلية والذرة، والتحليلات واختراق حاجز الصوت، ولغة السبرانتو العالمية، واللسان الآدمي لا يفتأ يتعامل مع كل مكونات حياته، ليحيلها إلى لفظ أو مصطلح له مدلوله الخاص.
وفي جزئية من الموضوع فقد ظلت المصانع والمعامل، ودور العلم وبيوت الأزياء، تورد للعقل البشري - وما زالت بالطبع - الكثير من المخترعات والابتكارات،.
وإذا كانت المؤسسات المتخصصة - العلمية بالتحديد - تجد مهمة إطلاق مسميات هذه
«المواد» أسهل، فإن الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لتلك «المواد» التي تواجه الرجل العادي، دون مرور بالمؤسسات المتخصصة.
وعلى هذا الأساس - أي التعامل مع مصطلحات الحياة العامة - قامت لجنة ألفاظ الحضارة بمجمع بالقاهرة، منذ أن بدأ المجمع اللغوي عمله في يناير 1933، بتلقى هذه الابتكارات الوافدة، وما يترتب على التعامل معها من مصطلحات أخرى، فيترجمها بقدراته الشخصية الخاصة جدا، فيطلق عليها المصطلح التلقائي والفوري، أو في حالات أخرى، يتلقى الابتكارة موسومة باسمها، دون انتظار لتقنين اسمها «ترجمة أو ابتداعا» أو تصحيحا أو تصريحا، من دور العلم أو المجامع اللغوية التخصصية باستخدامها. وقد يصيب الرجل العادي في ترجمته، وكثيرا ما أصاب، وقد يخطئ، وكثيرا أيضا ما أخطأ.
إن مهمة لجنة ألفاظ الحضارة بمجمع اللغة العربية، أصبحت الآن أكثر وضوحا، فأمامها دائما خامتان للفظ الحضاري، مطلوب منها أن تتفهمها جيدا، وأن تحاول ردها إلى أصولها العربية إن وجدت، لتصوغ في دأب لفظا فصيحا.
وخامتا اللفظ الحضاري هما: الأصل الوافد مع الابتكارة أو النظرية أو الأدلة أو الأداة، وهو أصل في معظم الأحوال غير عربي، ثم الترجمة التلقائية أو المصطلح العفوي غير المدروس علميا، والمحلي في أحيان كثيرة،
ولكي نستبين صعوبة هذا العمل، علينا أن نعي أن المهمة بالنسبة لنقل - أي ترجمة - المصطلحات العلمية والفنية الخالصة أقل صعوبة، إذ إن ترجمة مصطلحات في الكيمياء العضوية مثلا، من الإنجليزية إلى العربية، عملية غير مرهقة بالنسبة لأخصائييها، لأن العقول العلمية المتخصصة، التي سيمر بها مصطلح الكيمياء العضوية، متقاربة الإدراك والتكوين والوعي.
والمشقة تنبع من أن مسميات هذه الأدوات وصلت إلى رجل الشارع، قبل أن تصالح بيد عالم متفهم، فتداخلت معانيها بتعدد أنواعها وأغراضها وأماكن ابتداعها، وكاد يضيع من مدلولها التحديد، فعملية نقل - أو ترجمة - المصطلح الحضاري غير المتخصص، من لغة إلى لغة تقابلها صعوبات بالغة، أهمها تغير الوسط الذي يمر به اللفظ من منشئه - أي مصدره - إلى مواطن استخدامه واستعماله، حتى أنه وفي أحيان كثيرة - ينشأ اللفظ فرنسيا راقيا، فيمر في وسط فرنسي شعبي، فتعلق به أوشاب وإيحاءات الاستخدام الشعبي، والتي - كثيرا - ما تغير من معالمه الأصلية، وعند إيراده إلى أماكن وبقاع جديدة لاستعماله، يبدأ هذا الاستعمال بين أوساط شعبية أخرى.
أي أوساط غير متخصصة علميا، فتتعامل مع المصلح - أو أدائه - من خلال تلقائيتها وإدراكها العفوي المتعجل لوظيفة «الأداة - الآلة - المصطلح الذي تفرضه احتياجاتها وتفهمها ودواعي استعماله، دون حساب أساسي للمسألة العلمية - اللغوية، ثم تلجئنا الضرورة الأكاديمية، إلى تطويع المصطلح «بحالته» للعلم، حينئذ تبدأ المعاناة الحقيقية، والتي تواجه لجنة ألفاظ الحضارة دائما، وهي تتعامل مع آلاف من ألفاظ الحياة العامة، لترممها وتصلحها وتربط بين أجزائها وتؤصلها، وتقنن مدلولها تمهيدا لتطويعها للغة العربية الفصيحة. وإحقاقا للحق فإن الأوساط الشعبية، كثيرا ما أعانت لجنة ألفاظ الحضارة في لحنها للمصطلحات، فمثلا عرفت اللجنة عملية «الصنفرة» في التجارة بأنها التنعيم أي: تنعيم السطوح بمواد صلدة حاكة.
1978*
* كاتب وروائي مصري «1938 ـ 2005».