فاز الكاتب المغربي ( الطاهر بن جلون)، بجائزة جونكور، عن روايته «ليلة القدر»، وهو أول أديب عربي يحصل على هذه الجائزة.

من مادة الأحلام والأساطير والطقوس والتهاويم، والخيال الجامع والواقع المحيط، كتب بن جلون روايته المستفزة الأخاذة الغريبة «ليلة القدر»، عملا فنيا يشوق ويمتع، عجن فيه بن جلون هذه المفردات الفنية المتناثرة، وجعل منها وحدة آلفت بين الأضداد، ولحمتها جميعا في جسم العمل الفني.

وليلة القدر، رواية واقعية في بعض ملامحها، غير أن هذا الواقع متحفز، متوفر يتحرق شوقا إلى أن يطير إلى أجواء الخيال، لدى أدنى فرصة تواتيه، أو يقدر على خلقها، لم يعد الأمر هنا أن الواقعية تسعى إلى مزيد من الثراء، بالتفتيش في محتويات اللاوعي، إنها في الواقع هي نفسها في الوعاء الفني، وتلتحم بما يحويه من ألوان، وتصبح جزءا من كل متناسق وجميل في أكثر مواضعه، وطوال الرواية لا تكف المشاهد الواقعية عن التحول إلى ما هو لاواقعي. يبدأ الصعود من أسفل درجات الواقع، مثلما يحدث في ساحة الرواة، ثم يتحول هذا الواقع السفلى فجأة إلى أعلى درجات الوهم، والنبوءة والشعر والخيال، كما هو الحال في فصلي «الروض العطر» و«الميثاق»، وفي هذا الأخير يحكى معلم القرآن قصة تردده على بلد خيالي عجيب الشأن، فيه خزانة للكلمات، وكتب يحفظها رواة من الرجال والنساء الجميلات.. بلد وصل إليه المعلم فوجد الأشجار تظلله، والسماء تمطر بلورا، وطيورا تسبقه لترشده إلى السبيل.

والتقى فيه بأنبياء نفوسهم فرحانة، وأصدقاء للطفولة غابوا عن نظره، وصبايا عشقهن حين كان صغيرا، إلى آخر مفردات الخيال المجنح، الذي تحمله ألف ليلة.. التي يرد ذكرها ضمن كتب الخزانة، وتتعهد طائفة من الجميلات بأن تروى حكاياتها، وكل منهن ترتدی ثياب شهرزاد.

ثم يبلغ تحول الواقع إلى خيال، أقصاه حين تؤدى التراتيل والترانيم والرؤى، والعيش في جنبات طبقة رقيقة جدا من الضباب أو العتمات، إلى أن تلتقي الفتاة مع مشرفة الحمام وأخيها معلم القرآن، بعد أن أصبح هذا وليا يقصده الناس طلبا للبركة، يلتقى الثلاثة وقد لفهم الضباب ونأى بهم عن الواقع نأيا تاما، و أصبحوا أطيافا أو رؤی، تضطرب بين واقع كانوه وحاضر لم تعرف منه هل حدث لهم ما حدث، أم أن الأمر كله مزيد من الهلوسة والخيال الجميل.

تقول الفتاة التي تروي حكايتها: قصتي ليست عظيمة ولا تراجيدية. هي ببساطة غريبة، تغلبت على كل أنواع العنف لكي أستحق العاطفة، وأستحق أن أصير لغزا ما.. سأسرد لكم ما يشبه الحقيقة، لقد كذبت أحببت وخنت. عبرت البلاد والقرون، وغالبا ما نفيت نفسى وحيدة بين الوحيدين.. كنت طفلة مضطربة الهوية.. بنتا كنت، مقنعة بمشيئة

أب أحس بنفسه ناقص الرجولة، ومهانا لأنه لم يرزق ولدا.

ومن ثم عاشت البنت أكذوبة كبرى، أرغمها أبوها على أن تلبس وتعيش كالأولاد، حين أبصرها طفلة حديثة الولادة لم ير فيها إلا ولدا، عميت عيناه عن رؤية أعضائها الحقيقية، ولم ير فيها إلا الولد الذي أدمن حمله في خياله، حتى انتهى إلى التصديق بوجوده. هكذا كان الأب ينتقم من حظه ومن زوجة لم يحبها أبدا.. زوجة باهتة، خائفة من بناتها اللواتي قذفته بهن الواحدة تلو الأخرى. كأنما كانت هي الأخرى تتآمر عليه، وحين حضرت الأب الوفاة ليلة السابع والعشرين من رمضان - ليلة القدر المباركة - طلب من ابنته الغفران، أعلن أنه يعتقها، وحثها على أن تغادر الدار اللعينة، أن تسافر وتعيش وتترك وراءها النكبة، الموشكة أن تلحق بالأسرة عقب وفاته.

لم تكن البنت في حاجة إلى من يحثها على الانطلاق، ما إن انتهت مراسم الدفن التى رأستها، بوصفها الذكر الوحيد في الأسرة، حتى فتحت روحها وجسدها للحياة المقبلة، وأطلقت كل قوى خيالها الجامح، رأت لدى المقبرة عروسا تقبل نحوها، وتضع على كتفيها برنسها الفاخر، وتقول: اذهبى إليه فهو ينتظرك على فرس بيضاء مرقطة بالرمادي. ثم تمتد ذراع قوية تحيط بخصرها وترفعها إلى الفرس.

هكذا تزور الفتاة واحدا من الأماكن الكثيرة، التي تعمر الرواية، والتي يضطرب وجودها اضطرابا قلقا.

بين الحقيقة والخيال تحتار الفتاة نفسيا: أفى الحلم يقوم المكان أم في الحقيقة ؟ زارت جمهورية الأطفال - قرية من مائة طفل بين ذكور وإناث، يربط بينهم جميعا أنهم جاؤوا هربا من ظلم، وأنهم قد أوقفوا الزمن. وجعلوا من القرية سفينة تمخر عباب مياه صاخبة، وقطعوا كل رباط لهم بالماضي، والآن ها هي ذي فتاة تهبط عليهم من العالم، الذي أفلحوا في نسيانه، وتهدد بزلزال يفشي أسرار القرية السبعة، ويسلمها إلى الدمار. لقد وقع الراشد الوحيد في الجزيرة - الفارس الجميل الذي اختطفها - في أسر الفتاة، وأخذ يفشي السر الأول، واعدا بالمزيد، لهذا تقرر طرد الفتاة من القرية، قال لها أحد الأطفال: إنتِ نفسك طيبة، ولكنك تحملين معك الشؤم حيثما حللتِ.

وخرجت الفتاة من القرية - من الروض العطر كما سمتها - ولكن بعد أن انزلق عن روحها وجسدها آخر الأربطة. تخلل الهواء والضوء والعطر جسمها، الذي عانى طويلا من القيود والأحباس، وأصبحت الآن حرة في الروح والبدن.

وتمضي من بعد تمارس حريتها الجديدة، ويسلمها الرحيل إلى حمام عام في بلدة، تقصده لتغتسل مما أصاب جسدها من آثار، فتتعرف إلى المشرفة على الحمام: امرأة لحيمة، قوية، قررت أن تصحبها إلى بيتها وتلحقها بخدمة أخيها الضرير، أخوها هذا معلم للقرآن في كُتَّاب الناحية، ربته أخته منذ طفولته الباكرة، بعد أن فتك المرض ببصره، وفتك بها هي نفسها فشل مخزٍ في الزواج. هجرها زوجها وتركها لا زوجة ولا مطلقة، فغسلت الملابس في بيوت الأكابر وطبخت في الأعراس، وحصلت لأخيها على منحة خيرية، فصار معلم القرآن لأطفال الحي.

بين الأخ وأخته وحدة لا تنفصم. لا يفصمها إلا مجيء الفتاة، سرعان ما يأتلف المعلم مع الضيفة، ويدور بينهما النقاش الفلسفي العميق، تقول الفتاة لمعلم القرآن: أعرف المنافقين جيدا يستندون إلى الدين للسحق والهيمنة، وأنا أستند إلى الحق في حرية التفكير، وحرية الاعتقاد من عدمه. إنني في قطيعة مع العالم، أو على الأقل مع ماضيَّ الشخصي، أحاول أن أكون سعيدة، أعيش حسب قدراتی، بجسدي الخاص.

بهذا الفهم الرومانسي للحرية - اقتلاع الفرد لنفسه من الوسط المحيط - رفض الارتباط بشيء حتى لا يربط الفرد شيء، إنكار الدار والأهل والأطفال. العيش دائما على أهبة الاستعداد. عيش سابق على العقبات، وربما سابق على الزمن أيضا. بهذا العتاد الرومانسي الهش تمضى الفتاة في طريقها مؤمنة بأن هذا خير رد على صلف الرجال وقسوتهم، وحين تقتل عمها الشرير البغيض، الذي جاء يطاردها مطالبا بإرث آل إليها بغير حق، تستعرض وهي في السجن حياتها في الأسرة، وتلحظ أن أباها وضعها تحت الزجاج، في منأى عن الغبار والملمس. محمية من الريح والبرد والجوع، حبيسة عائلة هي بدورها حبيسة المرض. ثم تقرر أن حياتها كرجل متنكر، كانت أكثر من خطيئة، كانت نفيا، ولو كان قدر لها أن تكون فتاة بين الفتيات، فلربما حلت بها الأحداث العنيفة، ولكنها لم تكن لتكون بائسة ملطخة بالعار والسرقة والكذب.

لكن «ليلة القدر»، لا تشغل نفسها بحياة وحرية فرد واحد وحسب، هو الفتاة، وإنما تلتفت التفاتا عميقا ومؤثرا، إلى مصائر غيرها من النساء، أمها أولا.. ما أبشع الصورة التي ترسمها لتسلط الأب الهمجي عليها وقهرها قهرا، يخرب الروح والبدن، تقول الأم لابنتها: كل ما أطلبه شهرا أو شهرين أعيشهما بعد موت أبيك، أود أن أتنفس لبضعة أيام، لا أريـد أن أرحل في حياته، لأنني سأرحل مجروحة، بشكل مضاعف مخربة على نحو مرعب ومهانة. أود أن أصرخ صرخة واحدة تصعد من أعماق النفس، صرخة لابدة تنتظر، وأريد أن أعيش لكي لا أموت وهي لا تزال تأكلني وتفتك بي، ولكن هذا المطلب العزيز يمتنع على الأم، سرعان ما تسقط في غياهب الجنون، وتغادر دارها إلى بيت إحدی الخالات، تغادره وهي تمشي على أربع، مثل حيوان لا يرغب فيه أحدٌ.

1988*

* أكاديمي وناقد مصري «1920 - 1999»