غادرت بيت زوجها إلى بيت أبيها غاضبة بعدما تزوج عليها امرأة أخرى، فرد الزوج بأن أخذ طفليها اللذين لم يبلغ أكبرهما السادسة، قالت إنها ذات يوم كانت مارة بالطريق فشاهدت ولدها الأكبر يسحب كيس "زبالة" أكبر منه، بينما وجدت الآخر ينظف قدر الغداء، فتحولت من امرأة إلى نمرة غاضبة لتسحب الكيس من يد الطفل وتفرغه على رأس العروس، وأتبعته بالقدر وانحنت عليها وهي تحذرها من أذية طفليها أو استعبادهما، قالت لي: ولم تقربهما أبدا بعدها، وربيا وتعلما ليصبح أحدهما إمام مسجد ومدرس دين والآخر مدرس رياضيات.
ما سبق قد يكون عنفاً من جانب الأم، لكن لنا أن نتصور حياة هذين الطفلين مع زوجة أبيهما بدون شجاعة وقوة أمهما.
للأسف على الغالب أم اليوم لم تعد لتكون أما قوية، وحتى عندما تكون أما لا تجد حولها ما يمكنها من أن تكون أما كما يجب، ليس فقط في التربية ولكن في معرفة واجباتها، وأولها حماية هذا الصغير حتى يصبح قادراً على حماية نفسه. فهي إما تحمل أفكاراً خاطئة عن التربية عبر الاعتقاد بأن الضرب والتعنيف يقومان اعوجاج سلوكيات الطفل، في الوقت الذي لو تأملت فقط قوله صلى الله عليه وسلم حديث تعليم الصغير الصلاة لعلمت أن ضرب الطفل حتى لو كان خفيفا ولا يترك أثرا لم يأمر به صلى الله عليه وسلم قبل عشر سنوات، بل إنه صلى الله عليه وسلم قال لأنس بن مالك وهو ابن 13 عاما: "لولا أني أخاف الله لضربتك بهذا، وهذا لم يكن سوى مسواك".
هذه الأم تخلى المجتمع ومؤسساته عن تثقيفها، لأنه لا يملك وسيلة جيدة للتواصل بين النخب والمفكرين والعلماء، وبين هؤلاء الأمهات، مع إن إيجاد الوسيلة لتوعية الأم سهل وميسر، فهي غالبا لديها طفل في المدرسة فلم لا تقدم المدرسة خدمة اجتماعية لتوعيتها؟ وهي غالبا تراجع مركز الحي الطبي فلم لا يقوم بدوره في تثقيف المرأة؟ وقبل كل هؤلاء أين الوزارة من مناهج تربي الأمهات، وأعني مناهج في أسس التربية وليس في الطبخ والخياطة؟ أو تكون المرأة نفسها تعاني من تعنيف هي الأخرى وإرهاب داخل الأسرة وغير قادرة على حماية نفسها، وبالتالي صغيرها، وهي أيضا لا تجد مؤسسة واحدة تحميها.
إننا أمام نساء يعاني أطفالهن منهن ومن آبائهم ومن زوجات الآباء، وهم للأسف لا يقولون شيئاً.. غالبا أجسادهم التي غادرتها الأرواح تقول.