فقدنا بتأثر بالغ، فجر الإثنين الماضي، فضيلة الشيخ محمد خليل قارئ، إمام التراويح بالمسجد النبوي الشريف، وإمام مسجد قباء، ولحقه للدار الآخرة فجر الخميس فضيلة الشيخ عبدالوهاب حسين حضيري، اللذين جمعهما حفظ الله تعالى لهما بالقرآن، وحفظهما له، والعناية بتلاوته وتدريسه.

فقد الشيخين أعادني بالذاكرة لوالد الأول، الشيخ خليل الرحمن القارئ، رحمه الله، وزيارتي له مع ابنه الأخ عادل في شقته بعمائر الأوقاف، جهة البقيع، وهناك تعرفت عن قرب على هذه القامة التي تستحق الكتابة عنها، كما دونتها عنه؛ ولو تأخرت مع المتأخرين.

الشيخ خليل الرحمن، الذي فقدناه بعد وفاة ابنه أحمد بسنة، وفقدنا ابنه محمود بعد وفاته بأربع سنوات، وابنه محمد بعد أخيه بسنة؛ لقيه الشيخ عبدالعزيز بن باز، وأطلق عليه اسم خليل عبدالرحمن، كان قد درس في كشمير، وانتقل إلى لاهور، وحفظ القرآن الكريم على شيخه فضل الكريم بن مهتاب الدين، وقرأه على الشيخ حسن الشاعر، والد الوزير علي، بمنزله في حي سيد الشهداء، ويعد من أبرز رواد المدرسة الحجازية في القراءة والإقراء.


الشيخ خليل، رحمه الله، أحد أشهر أفراد النخبة المؤسسة لجمعيات تحفيظ القرآن بالمملكة، والتي تعود قصتها كما حكاها لي.. إلى إصابة الشيخ عبدالمهيمن محمد نور الدين أبو السمح إمام الحرم بمرض حبسه عن إمامة صلاة التراويح عام 1380، وتمت الاستعانة بإمام بديل، تركه الناس، وصلوا التراويح جماعات لأيام، إلى أن برئ الشيخ عبدالمهيمن، وانقدح في ذهن الشيخ محمد يوسف سيتي، التاجر الباكستاني الصالح، والدكتور غلام مصطفى بن محمد إبراهيم والشيخ محمد صالح بن عبدالرحمن قزاز تأسيس أول جمعية للعناية بتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة، وكان ذلك في شعبان عام 1382، وأسهم الموسرون في الإنشاء، ومن أبرزهم الشيخ محمد عوض بن لادن، والشيخ حسن عباس شربتلي، والشيخ عبدالله أحمد كعكي، والشيخ محمد صالح باحارث، والشيخ محمد سرور صبان، وأيدهم جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، وكانت له المواقف المشهودة في سد أي عجز تواجهه الجمعية، وروى لي الشيخ قصصا كثيرة عن هذه المرحلة الجميلة، والمبنى الذي استؤجر من أجل هذا الغرض النبيل، واستقطاب المؤسسين الثلاثة له، وتغيير مساره من الدراسة بالأزهر، إلى التدريس ببلد الله الحرام، وتولي الإشراف على هذا المشروع، الذي اصطحب معه له الشيخ محمد عبدالماجد ذاكر، وانتشار الجمعيات بعد ذلك في مناطق المملكة كافة، وتمتعها بالعناية والرعاية الرسمية الفائقة.

بارك الله في الشيخ خليل، وتخرج على منهجيته الأصيلة أعداد كبيرة من الحفاظ المتقنين، منهم الشيخ محمد أيوب يوسف، والشيخ علي عبدالله جابر، والشيخ محمد عابد بن محمد كامل الذي تشرف بالإمامة في المسجد النبوي عام 1410، والشيخ محمد صالح أبو زيد إمام مسجد سيدنا بلال بالمدينة، وأبناؤه الحفظة محمد، ومحمود، اللذان تشرفا بالإمامة في المسجد النبوي، وأحمد، وعادل، وقرأ عليه من أئمة الحرمين المعروفين الشيخ محمد السبيل والشيخ عبدالله الزاحم، والشيخ أحمد طالب بن حميد.. فاللهم اغفر لمن تقدمنا، ومن تأخر عنا، ولنا بالقرآن، واجعله شاهدا لنا على تطبيق أحكامه، وتدبر معانيه، لا علينا.