يعد الكثيرون من الاقتصاديين أن الحج فرصة حيوية لتشغيل الطاقات البشرية المعطلة، أو حتى فرصة للشباب وللعاطلين عن العمل لاستثمار الموسم الذي يدخل ضمن مفهوم "السياحة الدينية".

إلا أن الأمر أيضاً يأخذ بعداً مختلفاً في الرؤية الاقتصادية، وهو ما كثر فيه الجدل من الناحيتين الشرعية أو الاجتماعية أو حتى المالية، وهو ما يتعلق "بحج البدل"، الذي يعرِّفه الفقهاء بأنه "الحج بالتوكيل أو الحج بالنيابة".. كما يطلقون عليه "حج البدل"، وهو أن يقوم شخص ما بأداء فريضة الحج عن الغير مقابل اتفاق مالي محدد وضوابط محددة مسبقاً.

ورغم ما يقره الشرعيون والأصوليون الفقهيون من أن السمسرة في حج البدل الأصل فيها عدم الإباحة، لأنها تتعلق بأمور تعبدية لا يجوز فيها مثل تلك الأعمال، إلا أن ذلك لم ينعكس على أرض الواقع كما يشير إلى ذلك الشرعي عبدالله صالح صنعان في حديثه إلى "الوطن" من أن الأمر تحول إلى صفقات مالية ضخمة تتجاوز مئات الآلاف من الريالات، يتم اللعب فيها بورقة "الدين".

تشير القراءات الفقهية إلى أن حج البدل ليس جديدا بل هو قديم عند الفقهاء، واستئجار شخص عمن يحج عن آخر مسألة خلافية، فالمشهور من مذهب الحنابلة ومذهب أبي حنيفة التحريم لأن الحج عبادة وقربة لا يجوز أخذ الأجر عليها كمن يصلي بأجرة مستندين إلى كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال "استئجار إنسان ليحج عن آخر بدعة لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا السلف الصالح وإنما بعد ذلك، وإن كان الذي أخذ المال قصده المال فقط فهذا لا يجوز لأن العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صالح في نفسه إذ لم يقصد به إلا الدنيا والمال، وإن كان قصده نفع أخيه المسلم ورؤية المشاعر المقدسة والتقرب إلى الله بهذا العمل فهذا جائز".

التفاف شرعي

ويضيف صنعان: "اللجنة الدائمة للإفتاء أكدت في إحدى الفتاوى الرسمية الصادرة أنه "ينبغي لمن يريد أن ينيب في الحج أن يتحرى فيمن يستنيبه أن يكون من أهل الدين والأمانة حتى يطمئن إلى قيامه بالواجب والعلم بمناسك الحج لحج البدل"، لكن بعض ضعاف النفوس لم يجعلوا ذلك ضمن معيارهم في اختيار من يقوم (بحج البدل)".

وحالما يعود موسم حج كل عام فإنه يفتح معه ما يمكن أن يطلق عليه "السوق المالية السوداء" لعقد الصفقات المالية المشبوهة، ويمكن التطرق لإحدى الحالات التي رصدتها "الوطن" ميدانياً تعود لعدد من السماسرة الذين ينشطون قبل الحج بفترة شهرين عبر التعاقد مع عدد من المتنفذين ببعض الشركات التجارية الكبرى في جدة، قوام الصفقة 600 ألف ريال لـ60 مقعدا، تسعيرة الواحد منها 10 آلاف ريال.

ويقول مدير إحدى الحملات، أحمد بن صالح البكري إن الوسيط عرض عليه مبلغا ماليا لا يتجاوز ألفي ريال لعدد من حجاج البدل من القيمة الأصلية للفرد الواحد 10 آلاف ريال، مشيراً إلى أن هؤلاء السماسرة أكثر من يخالفون أنظمة ولوائح الحج باختيارهم أشخاصا بمبالغ مالية ضئيلة يكون مصيرهم "افتراش الأرصفة" في الأماكن المقدسة.

تحذير

يعود الشرعي صنعان الذي يدير إحدى المندوبيات الدعوية الرئيسية بجدة إلى التحذير من تساهل البعض في تأدية الحج حيث يقصر في القيام بواجباته وسننه ويغفل عن الدعاء للميت إذا كان المحجوج عنه ميتا، أهم شيء عنده أن يأتي على الأركان وأقل الواجب المجزئ، كما فضل أن يكون "حاج البدل ضمن مواصفات ومعايير خاصة لضمان أداء النسك العبادي كأن يكون اختيارهم من حلقات القرآن الكريم، أو مكاتب دعوة الجاليات الذين لديهم عدد كبير من المسلمين من جنسيات مختلفة، مع تحري الدقة الشرعية، والسمة السلوكية الشخصية عند اختيار من يقومون بحج البدل".

عمليات الترويج

رغم التحذيرات التي يطلقها الشرعيون والتي تتزايد قبل قدوم موسم أداء نسك الحج بشهر تتزايد عمليات الترويج للراغبين في القيام بفريضة حج البدل، ويعد الترويج عبر الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي هو المتصدر في وسائل الترويج بعد أن كان مقصوراً في السابق على الأحياء الراقية والمساجد والعلاقات الشخصية.

عدد من المنتديات الإلكترونية تخصص صفحات خاصة لإعلانات حج البدل وغالباً ما يقع الاختيار على المواطنين والمقيمين في العاصمة المقدسة، ومن تلك الإعلانات "مقيمة في مكة المكرمة مستعدة هي وزوجها لأداء فريضة الحج والعمرة عن مريضة أو مريض أو متوفاة أو متوفى بما يعادل 5 آلاف ريال للفرد والعمرة بما يعادل ألف ريال والرقيب هو الله تعالى".. ويقول إعلان آخر "أنا حافظ للقرآن مقيم بمكة المكرمة مستعد لأداء فريضة الحج عمن لا يستطيع الحج وفقاً للمعاذير الشرعية مقابل 3 آلاف ريال سعودي".

وفقاً للأسعار المطروحة التي رصدتها "الوطن" من عدة مصادر تنوعت أسعار الحج بناء على نوعية الحج إن كان "تمتع أو قران، أو إفراد"، وأشار أحد الذين تحدثت إليهم "الوطن" يدعى "هاني"، وهو من سكان محافظة جدة واشتغل أكثر من عام بمثل هذه المشاريع قائلاً "السعر يختلف من 2500 ريال للإفراد، و5 آلاف ريال للتمتع، و3500 ريال للِقران". مضيفاً "ليس مشروطاً علينا تحضير الإجراءات الرسمية لشؤون الحج، فهذه تقع على عاتق الراغب في أداء حج البدل"، إلا أنه أفصح بالقول أن أغلب من يقومون بمثل هذه المهمة يحجون بلا تصريح ويتحايلون على نقاط التفتيش ولا يلتحقون بأي من حملات الحج الداخلية نظير استقطاع ما نسبته 20- 30% من إجمالي المبلغ المقدم لحاج البدل".

ومن خلال الخبرة التراكمية التي اكتسبها من خلال هذا العمل حول الأوفر حظاً بأداء فريضة حج البدل قال هاني "هم قاطنو العاصمة المقدسة.. لعدة اعتبارات أهمها سكنهم في البلد الحرام وسهولة أدائهم الفريضة دون الحاجة إلى المرور بنقاط التفتيش، لذلك دائماً يكونون في خانة الاختيار الأولى لحجاج البدل ليس فقط من قبل أناس في الداخل، بل حتى تأتيهم طلبات من خارج المملكة لأداء فريضة البدل، والأهم من ذلك أن أسعارهم غير مرتفعة مقارنة بمن هو من خارج مكة المكرمة".

ويمكن الإشارة هنا إلى مطالبة طرحها عدد من رؤساء الجمعيات الخيرية في وقت سابق لإسناد الموضوع رسمياً للجمعيات الخيرية عبر تكوين لجان في جميع مناطق المملكة، تكون هي الواجهة أمام رجال الأعمال والميسورين، خاصة في ظل غياب إشراف وزارة الشؤون الإسلامية عن هذا الملف المهم. كما جاء في سياق المطالبة أنه ستجرى للراغبين في حج البدل مقابلات شخصية للتحري حتى لا توجد مخالفات شرعية من الأفراد الذين سيقومون بحج الوكالة عن الغير، ولجنة مراقبة أثناء الحج للتأكد من سلوك الحاج أثناء فترة الحج.


ضوابط حج البدل

• لا يصح حج البدل في حجة الإسلام عن القادر الذي يستطيع الحج ببدنه.

• يكون عن المريض مرضاً لا يرجى برؤه، أو عن العاجز ببدنه، أو عن الميت.

• لا يكون عن العاجز ماليّاً؛ لأن الحج تسقط فرضيته عن الفقير.

• لا يجوز لأحدٍ أن يحج عن غيره إلا أن يكون قد حجَّ عن نفسه.

• يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، كما يجوز للرجل أن يحج عن المرأة.

• لا يجوز لأحدٍ أن يحج عن شخصين أو أكثر في حجة واحدة، وله أن يعتمر عن نفسه – أو عن غيره – ويحج عن آخر.

• لا يجوز لأحدٍ أن يكون قصده من الحج عن غيره أخذ المال، وإنما يكون قصده الحج والوصول إلى تلك الأماكن المقدسة، والإحسان إلى أخيه بالحج عنه.

• إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوبها وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلفه سواء أوصى بذلك أو لم يوص.

• الأفضل أن يحج الولد عن والديه، والقريب عن قريبه، فإن استأجر أجنبيّاً جاز.

• لا يشترط لمن يُحج عنه أن يُعرف اسمه، بل تكفي نية الحج عنه.