بين سنةٍ وأخرى؛ أزور بعض المناطق الجميلة في المنطقة الجنوبية، وأستمتع بجوّها وطبيعتها الفاتنة، إلا أنني ألاحظ في كل زيارة أن جمالها يَشِيخ ويَذْبُل كل سنة! وكم هي الأماكن التي أعرفها وكانت خلّابة، إلا أنها اليوم أصبحت عمرانا أو خرابا مليئا بالنفايات وبقايا البناء!

للأسف أن المتجوّل لا يكاد يمر بمكان إلا ويجد فيه بقايا طعام أو نفايات! حتى تلك الأماكن المخصصة للتنزه لا تكاد تجد فيها مكانا للجلوس خشية من بقايا الزجاج المتكسر! أو هَرَبا من النفايات والروائح الكريهة! البعض يلوم الثقافة التي اعتاد عليها الناس، وأقول نعم لدينا مشاكل ثقافية كثيرة، ولكن كل تلك المشاكل تختفي أو تكاد بفرض القانون ترغيبا وترهيبا.

لماذا لا نجد حتى ربعَ عُشرِ تلك المناظر السيئة في البلاد المتقدمة؟ ولماذا حتى المواطنون الذين يذهبون إلى هناك للسياحة يلتزمون بالنظام بشكل كامل؟ إنه القانون والصرامة في تطبيقه! بالرغم من أن ديننا يحض على العناية بالشجر والثمر، وقد وردت العديد من الأحاديث في النهي عن قطع الشجر.

ربما يجتهد مسؤولٌ ما بحماسةٍ يوماً، فيتابع ويجتهد ثم يفتر في اليوم الذي يليه! ليست هذه طريقة للحل! يجب أن ننشر ثقافة النظام/القانون لحلّ المشاكل. وكثيرا ما تفشل مشاريع أو إدارات بسبب عدم وجود نظام/قانون أو بسبب ضعفه. لذا؛ أرى لزاما أن يُسنّ نظامٌ جديد لحماية البيئة والطبيعة البكر والمتنزهات بشكل عاجل وصارم، قبل أن يتحول ما بقي من طبيعة إلى ركام من التراب والنفايات.

أخذت أقلّبُ الأنظمة الإنجليزية في الموضوع فلم أكد أستقصِيها من كثرتها، وربما مررت على أكثر من 12 قانونا حول موضوعنا -مع أنني لم أستقصِها-! ربما من أهمها ذكرا؛ قانون (The National Parks and Access to the Countryside Act 1949)، الذي صدر بعد الحرب العالمية الثانية، التي دمّرت الكثير من البلد آنذاك -حيث لم تشغلهم إعادة بناء البلد عن ثروة الأجيال القادمة وهي البيئة والطبيعة-، ولن أطيل في ذكر الأنظمة ومجالاتها، ولكن على سبيل المثال؛ فإنه بمجرد رمي أحدهم شيئا في الشارع أو مكان عام (فضلا عن كونه محمية) فإنه يكون قد ارتكب جُرما بالقانون، قد يُعرضه للمحاكمة في حال لم يدفع الغرامة المالية التي صدرت في حقه خلال 14 يوما، ويكفي في إثبات الجرم شهادةٌ واحدة بنص القانون (Environmental Protection Act 1990) م87 (7). كما أن الغرامة تختلف من مكان إلى مكان حسب التصنيف الذي تضعه السلطة المختصة، ولكن أقل شيء يمكن أن يدفعه في حال لو رمى شيئا تافها كمنديل أو ثقاب؛ 75 جنيها إسترلينيا (أي 450 ريالا تقريبا).

أذهب لموضوع آخر ليس ببعيد؛ لماذا لا يُحافَظ على الأودية والمسايل صغيرة وكبيرة، وهي من أهم مصادر تكوّن الثروة المائية؟ في الوقت الذي يوصف فيه البلدُ بأنه من أفقر بلدان العالم في وفرة المياه! وكما هو الحال في الأشجار والطبيعة سيئا؛ فالحال ليس بعيدا في هذا الموضوع، حيث لا يكاد يجتمع وادٍ بسبب تقطيع المسايل والأودية الصغيرة، سواء بفعل الأفراد أو مشاريع الطرق والبنى التحتية. وهذا الأمر من أكبر المشاكل التي ستعاني منها الأجيال القادمة لا محالة، ويجب اتخاذ إجراءات عديدة في هذا السياق، من أهمها؛ إصدار نظام فعّال يحمي مصبات الأودية وتجمعاتها، والبدء فورا بمشروع استرجاع جميع المسايل والمصبّات والأودية إلى مجاريها الطبيعية وما أكثرها.

وعندما أشير إلى ضرورة إصدار نظام فالمقصود هو نظام فعال، يتضمن آليات فعالة للتطبيق كالغرامة والعقوبة الصارمة وغيرهما. وإلا فإن النظام يصبح مجرد إرشادات وتعليمات ربما يجهلها حتى بعض المختصين!

أعود إلى المتنزّهات والأراضي البكر وأود الإشارة إلى أننا على قلة المناطق الخضراء لدينا، إلا أننا لا نكاد نجد محميات طبيعية، تكون بعيدة عن الأيدي والاعتداء. بالإضافة إلى أن المتنزهات المفتوحة للزوار لا نكاد نجد لها حماية وتنظيما يُذكر إلا مجرد إرشادات -إن وجدت-. لماذا لا تكون هناك أماكن مخصصة للجلوس، وأماكن مغلقة ويُسمح فيها بالمشي في ممرات محددة دون التجاوز إلى داخل المحمية، وأخرى يُمنع فيها الأكل والشرب منعا للنفايات وإفساد الناس لها، وهكذا من الطرق والأساليب لحماية الطبيعة البكر، مع تفعيل العقوبات وآليات إلزاميتها. هناك الكثير من القوانين والتعليمات في الدول المتقدمة، التي يمكن الاستفادة منها بكل سهولة، ولا تكاد تجد حديقة صغيرة هناك إلا ولها موقع على الإنترنت، يمكن من خلاله الحصول على معلومات كثيرة، كل ما علينا هو البحث والاستفادة منها.

من الملاحظات المهمة أيضا؛ إيقاف الاستيلاء العشوائي على الأراضي البكر خصوصا التي تكثر فيها الأشجار أو حتى مصبات الأودية والمسايل والأودية، وتدعيم ذلك بعقوبات صارمة أيضا في حال حدث ذلك، وربما تجدر الإشارة إلى موضوع إحياء الأرض الموات، الذي أصبح وسيلة معروفة للاستيلاء على الأراضي والفساد للأسف، حيث يجب إيقاف الطريقة شبه العشوائية في ذلك.

أرجو أن يقرأ كلامي هذا من يملك القدرة والحماسة لمعالجة الأمر، وأن يبادر بسرعة لحماية ثروة البلد والأجيال القادمة، فبلدنا غالٍ ويجب علينا الحفاظ على ثروته، والله الموفق.