إذا ما اعتبرنا أن ميلاد المسرح كان في أثينا فمن أين جاء بهذه القوة التي اكتسب مكُب منها خلوده؟ وما هي مقوماته؟ بل ما هي الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها؟

إن المسرح لم يتبلور لديهم بشكله المتعارف إلا مع بزوغ النزعة الفردية بعد معركة سلاميس وتألق الديموقراطية على يد زعيمها "بركليس" فلم تعد الشخصية اليونانية شخصية ذائبة في الكيان الجمعي كالذي نراه في الاحتفالات الجماعية الشعبية آن ذاك، مما جعل الجمهور حينها يتدفق على المسرح، يتفاعل ويندمج ويؤيد أو يرفض ما يراه، وهي أول ممارسة في حرية الرأي وغرس بذور الديموقراطية واتخاذ القرار لدى اليونان حينها، وبهذا كان الجمهور أول ناقد للمسرح، عشقوا المسرح لأنهم يرون فيه ذواتهم، يعتقدون أن نهج حضارتهم، بنائها وانهيارها، يتمثل فى بناء الثقافة والفنون وانهيارهما، ويعبرون عن استيائهم بالرفض والتصفير والركض بالأرجل إن لم يرق لهم العرض المسرحي، ويحملون أغصان الغار والشرف إن اكتسبت الفرقة التي تنتمي إلى قبيلة ما جائزته، بل ينتقل الشرف من قبيلة إلى أخرى، فوسام الغار سينتقل بدوره إلى القبيلة الفائزة وهو وسام شرف لهذه القبيلة أو تلك.

لم يكن المسؤولون اليونان في معزل عن المسرح، بل شجعوا بناءه وترسيخ مفاهيمه لما يرون أنه أول لبنات الفكر الحضاري لديهم والموازي للفكر المعماري الذي أخذ في الازدهار، فالفكر المعماري هو انعكاس للفكر المعرفي والحضارة الفكرية، التي غالباً ما تتجسد في المعمار والصورة البصرية قبل الكتابة واللغة، فكلاهما فكر يتمخض عن معرفة وحركة معرفية يجسدها التاريخ. كما أنهم كانوا يولون شديد الاهتمام بالإبداع والمبدعين ولا سيما الأدب المسرحي.

هذه العناية الفائقة بالمسرح على وجه الخصوص جعلته يحيا حتى يومنا هذا، كما يرجع ذلك لعناية العوام بهذا اللون "المسرح" لما كان يحققه هذا اللون من نقد وتهكم على مجريات الحياة الثقافية والسياسية والأخلاقية أيضا.

فقد كانت تقام المسابقات وتتولى لجان التحكيم إصدار الحكم على العروض غثها من ثمينها، وقد كانت هذه اللجان تحاط بكل وسائل الحرص والدقة والسرية إذ يتحمتم عزلهم بمنأى عن الناس خوفا من التأثير عليهم وما أشبههم الآن (بالمحلفين في لجان العدل الدولية) لما لذلك الفوز من شرف تحمله هذه القبيلة أو تلك وقد يتسببان في التنازع إذا ما شاب التحكيم شائبة، فتُختار لجان النقاد عن طريق الاقتراع والذي يحميها الأكروبول في نهاية الأمر، ولتكن هذه الأحكام النقدية في نهاية الأمر في مأمن من الرشوة والمحسوبية. وبهذا نستطيع القول إنه لو لم يحط النقد المسرحي بهذه الهالة لما تحقق للمسرح هذا الشأن، ولم تكن تلك الثقافة التي صدرها للعالم أجمع. ذلك هو ازدهار المسرح اليوناي القديم في الفترة (220 ق.م - 550 م). فماذا عن مسرح القرن الواحد والعشرين فى بلاد كانت مهد الثقافة والشعر والكلمة؟

المسرح ركيزته النقد الموضوعي والأكاديمي القائم على معيار نقدي دقيق والذي توارى خلف ستار النقد الانطباعي القاتل للإبداع المسرحي، فأضحى المسرح مائدة يأكل عليها ويشرب المرتزقة والمتكسبون في وطننا العربي بأكمله دون وعي منا بأن المسرح هو تلك الطاقة الهائلة التي تفرغ ما في جعبتها في جوف المتلقين وتمتص ما يزيد عن حاجتهم من الطاقة الزائدة التى قد تتحول إلى مدمرة إذا ما لم تُفرَغ. فالناقد في العصور الحديثة هو المنوط بدور توصيل الرسالة وتحليلها وإبداء الرأي في إظهار الغث من الثمين في إطار المفاهيم الثقافية لدى السواد الأعظم من المستقبلين للرسالة، هذه الحلقة المفقودة هي ما تعمل على فصم العرى وعلى غربة الخطاب النقدي في عالم يتلمس الخطى حول مفاهيم غربية وعربية قد تكون بعيدة عن شريحة عريضة تجعلها تهرول بعيدة عن هذا المجال، ولذلك فحري بنا أن نتقصى النقد المسرحي وكيفية اختيار النقاد وما هي الأسس التي يتم بها اختيار الناقد أو المُحَكِم؟ وما هي المعايير النقدية التي يصدرون بها أحكامهم؟ وما هو الدور الذي يكتسبه الناقد في مجتمعه من هذا الاختيار؟ لكي لا يكون هناك تنافر بين المرسل والمتلقي ولكي نتفادى هذا الجنوح عن المسرح، فكان لزاما علينا الاهتمام بوسيلة التواصل إما بالتحليل وإما بالتفسير لكي يتواءم الجميع مع رسالة قد يكون الناقد أكثر عمقا في تناولها وتوصيلها، مع العلم أن الناقد الأدبي أو الناقد المسرحي الذي تخرج في كليات الآداب لا يصح أن يكون ناقدا للعرض المسرحي لأنه تخصص في نقد النصوص كأدب ولا يعرف ما هي جعرافية الخشبة وعلم (سينوجرافيا الخشبة) بما لها وما عليها.

هذا هو ما دعانا لكتابة هذه السطور لكي نستشعر إما بالبعد أو الاقتراب من كل إبداع فني تموج به صالات الفن العربي والغربي في يوم عالمي جديد يقول الكاتب الأميركي توماس فريدمان إن "العرب فيه هم الخاسرون" في خضم هذا العالم الصناعي الذي أصبح مسطحا من وجهة نظره في كتابه "العالم مسطح" الذي يرتكز بدوره على الثقافة والوعي والصناعة. فما هي إذا تبعات هذا الجنوح عن الخطاب المسرحي التي قد تؤدي بنا إلى الخسارة كما زعم "فريدمان"؟

إن المعّول الأول في هذه الإشكالية يقع على عاتق الناقد في المقام الأول والناقد المتخصص الذي يعي أهمية المعيار النقدي، ففي بدايات المسابقات المسرحية لدى اليونان لم تكن هناك مدارس نقدية بالمعنى الدقيق، وإنما كان هناك شرف الكلمة وأمانة القلم والولاء للوطن.

والمسرح السعودي له حراك يحسب له إلا أنه يفتقد الناقد المتخصص حاله حال المسرح العربي ومن هنا نستطيع القول إن أزمة المسرح هي أزمة نقد (نقد مسرحي يعي كنه وخارطة الخشبة وعلومها وسينوجرافيتها) لأن النقد السائد لدينا هو النقد الأدبي أو النقد الانطباعي، وذلك لا ينهض بالمسرح في الوطن العربي الذي يعاني من هذه الأزمة المعيارية.