قالوا قديماً «من الحب ما قتل»، ليس الحب ما يقتل، بل الإفراط فيه.

كلما أفرطت في شيء، فرطت في حياتك، ألم يمت معظم العاشقين، إما شوقاً أو من فرحة عارمة للقاء غير منتظر، معنى ذلك أن من الفرح ما يقتل أيضاً، وكأن الإحساس سكيناً، ينحر صاحبه كلما ازدادت حدته.

قال الأطباء المسلمون القدامى ومن قبلهم «أبقراط» و«جالينوس»، إن العشق مرض كغيره من الأمراض العصبية والجسدية، له أعراض تهلك من أصابه. كل شعور حاد ومفرط يؤدي إلى هلاك صاحبه، الخوف، الحب، والحزن. في نوبات الخوف، يضطرب القلب، تتسارع دقاته، تتسع حدقة العين، ويزداد تدفق الدم في أنحاء الجسم، نوع من الدفاع عن النفس، حتى يتمكن الإنسان من الهرب بسرعة، نتيجة لارتفاع مفاجئ لمستوى (هرمون الأدرينالين)، زيادة مستوى هذا الهرمون قد تؤدي إلى اضطراب في كهرباء القلب ومن ثم تلفه.


الحزن هو المطحنة، التي تدك العظام دكاً وتفتت الكبد، يبقى عالقاً في الحنجرة ليشرخها شهيقاً وزفيراً، لتبقى خاوية إلا من آهات فاض بها الصدر بعد ضيقه. عليك أن تبكي إن شعرت بذلك، فالبكاء تفريغ لما في الصدر، البكاء حالة إنسانية، حق لا تجوز مصادرته بأي حجة من الحجج (العشق، الخوف والحزن) ثالوث الموت الأكثر انتشاراً، وربما يكون البكاء هو الحل الوحيد لمواجهته.

أشارت دراسة أجريت عام 2011 إلى حدوث قصور شديد في الأداء المعرفي للشخص الحزين نتيجة وفاة أحد المقربين منه، فيحاول المخ تجنب الإدراك هرباً من الواقع، تسوء الحالة المزاجية وتضعف الذاكرة، لذلك في نوبات الحزن - غالباً - ما تكون القرارات غير صائبة.

يؤثر الحزن بشكل سلبي في الأفراد، ويمتد هذا التأثير إلى الجسم، ويشمل اضطرابات في النوم ومشكلات في القلب، ولعل من أبرز مشكلات القلب التي تترتب على الحزن الشديد ما يعرف بـ«متلازمة القلب المكسور» التي تحدث نتيجة

اعتلال عضلي قلبي. وعادة يشعر المصاب بآلام في الصدر نتيجة قلة تدفق الدم في قلبه، وتزداد نسبة الوفاة بالسكتات القلبية خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من الحدث الحزين. الحزن لا يؤذي القلب وحده، بل يمتد تأثيره إلى أجهزة الجسم كافة، فهو يعوق عمل الجهاز المناعي، فيكون معرضاً للعدوى أكثر من غيره ويصاب بكثير من الالتهابات، وتسوء الحال مع تقدم السن، ويصبح الجسم غير قادر على التعامل مع ارتفاع الهرمون الخاص بالتوتر بشكل فعال، ويزداد معدل الإصابة بأمراض المناعة الذاتية كالبهاق، الصدفية، الثعلبة والذئبة الحمراء.

يرفع الحزن كذلك من أخطار الإصابة بمرض السكري من الفئة الثانية، ويزيد نسبة الإصابة بارتفاع ضغط الدم.

هناك الكثير من الطرق المعروفة للخروج من دائرة الحزن والتغلب عليه، كالرياضة، وتمارين الاسترخاء، تمارين التنفس واليوجا، تغيير نمط الحياة والخروج عن الروتين اليومي، لتشتيت الحزن. هناك بعض الأعشاب التي قد تساعد في تهدئة الأعصاب وتحسين المزاج، كمشروب النعناع، شاي الزعفران، والبابونج.

وبالرجوع للسنة النبوية نجد أن رسولنا الكريم أوصى بـ«التلبينة» فقال «إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن»، وذلك لاحتوائها على مركبي Betaglocan وTocotriends وفيتامين هـ، والتي تساعد على خفض الكوليسترول وحرق المركبات الدهنية في الدم والوقاية من الجلطات. وأثبتت بعض الدراسات الحديثة فعاليتها. وأشارت إلى أن المعادن مثل البوتاسيوم والمغنسيوم لها تأثير في الموصلات العصبية التي تساعد على التخفيف من الاكتئاب والحزن. وفي حالات نقص البوتاسيوم يصبح الإنسان سريع الغضب والانفعال والعصبية، وحيث إن حبة الشعير التي تصنع منها التلبينة غنية بعنصري البوتاسيوم والمغنسيوم فإنها تلعب دوراً كبيراً في تهدئة نفسيته وجم فؤاده.

قديماً كانت الجارات تصنعن التلبينة في بيوت العزاء، لمكافحة حزن أصحابها، اليوم تغيرت مراسم العزاء وطقوسه فنسوها الناس.