جميلة هي الرحلة التي تأخذك في رحاب كتاب الله ما بين الصور المتباينة لأحداث التاريخ وقادته في شتى الأبعاد، ومن تلك الصور المذهلة التي يصورها قرآننا الكريم ما يوضحه عن نماذج الحكم والتعاطي السياسي مع الأحداث المهمة بين الأمم المختلفة، منها تلك التي أهلكها الله وأهلك صاحبها ومنها تلك التي أعزها الله وأبقى ذكر صاحبها عاطرا نديا عبر التاريخ، وجميل أن نتفحص أسباب هذا التباين وأن ندرس أبعاده، وأن ننظر في المبادرات والأفعال وردة الفعل ومنهج الإدارة وأسلوب التعاطي مع الحدث لنستفيد منها في حاضرنا.
من هذه المفارقات الجميلة اللطيفة التي تستحق الوقوف عندها وتأملها هي تلك المفارقة بين فرعون وبلقيس، ففرعون ملك عظيم تسيد على مصر أمدا طويلا قد يزيد على مدة تسيد القذافي على ليبيا، وجرت بين يديه الخيرات التي لا تحصى ولا تعد حتى اغتر "ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" وحتى ظن أنه إله فوق البشر "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري"، أما بلقيس فملكة عظيمة قد لا يقل ملكها في حجمه وقوته عن ملك فرعون على بعد المدة الزمنية والموقع الجغرافي بينهما، وعلى التباين بينهما في الجنس، فذاك يحمل كل ما تحمله الذكورة بامتياز من صلف وتعال وخشونة، وهي تحمل كل ما تعنيه الأنوثة من قوة ناعمة ورقة وجمال الروح والخلق، والفن الحسي والمعنوي، ذلك الجمال الذي جعل من عرشها آية لا تضاهى وفنا لا يسبق. بلقيس هذه كان لها من الملك ما يحق لها أن تكون فيه مثل فرعون متعالية متكبرة متجبرة لكنها كانت أعقل من ذلك.
جاء موسى إلى فرعون وأرسل سليمان رسالته إلى بلقيس، أما فرعون فتعالى وتلبس فكره بفكر الدم الأزرق الذي يظن معه أنه فعلاً إله فوق البشر، ونادى في المدائن حاشرين ودعا بكل ساحر عليم يريد أن يبطل سحر موسى كما يدعي وأن يدحر دعوته بكل جبروت وطغيان، وأما بلقيس فجمعت حاشيتها وجيشها وجندها غير جاهلة بقوتها وقوة ما لديهم لتستشيرهم في الأمر ولتقول لهم "يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون"، لقد مارس فرعون دكتاتورية التسلط ومارست بلقيس تعددية الرأي والشورى قبل أن تقدم، وكلنا يعرف ما كانت النتيجة.
استمتع فرعون بطبل هامانه وجوقته الإعلامية والنفخ الزائد عن الحد من خلال تهويل الإنجاز وتصوير صغائر الإنجازات على أنها عظام، وتصوير عظائم الأمور على أنها أهون من أن تكون حتى هينة، بشكل لا يختلف كثيرا عما نراه في عالمنا العربي اليوم، فانطبق عليه "فاستخف قومه فأطاعوه".
أما بلقيس فبعد أن استمعت لقومها وهم يطبلون لها شأنهم شأن كل تابع لمتبوعه، سواء كان هذا الطبل على حق أو على باطل وما أكثر ما يكون هذا الطبل على باطل، يقولون لها "نحن أولو قوة وأولو بأس شديد فانظري ماذا تأمرين"، فغلبت صوت العقل والحكمة وطريق السلم والتعاون، وقالت: "إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون".
تمادى فرعون في غيه ليثبت تعاليه فقال: "أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون" فكانت النتيجة أن قاد جنده للهلاك وملكه وعظمته إلى الفناء بعد أن ظن أنه من الخالدين، أما بلقيس فبعد أن علمت الجواب على هديتها، ارعوت لصوت العقل وقادت جندها للنجاة وأبقت على ملكها وعلى جندها وسطرت سيرتها في سير العظماء.
ما أكثر النماذج الفرعونية في هذا العصر، تلك النماذج التي مضى عليها من الزمان في مكانها ما ظنت معه أن الموت قد نسيها، أو أنه لا يجرؤ أن يقترب منها فطغت وبغت وتسلطت على رقاب العباد وخيرات البلاد، فساقت نفسها إلى مزبلة التاريخ ومحرقة البغض، على مر الزمن نلعنهم كلما مرت علينا سيرتهم، أو ذكر أمامنا اسمهم، وما بشار وأمثاله منا ببعيد، وما أقل النماذج البلقيسية في عالمنا، تلك التي ترعوي لصوت الحكمة والعقل ولا تستقل برأيها عن قومها بل لا تقطع دون أن يشهدوه، ومهما مجدها الإعلام فإنها لا تستمع إلا لصوت الحقيقة ومقياس الواقع لتبلغ بذاتها وقومها شاطىء النجاة بل ومسرى النجاح والتطور والتقدم.
لو أن فراعنة العصر تبلقسوا في حكمهم لما كانت نهاياتهم هي تلك النهايات التي رأيناها في العام الماضي، وفي ذلك ذكرى لمن له قلب واعتبر بمن مضى.
تغريدة: لو كانت النفوس شفافة يرى باطنها من ظاهرها! كيف سيكون العالم حينها؟ هل كانت النفوس السيئة ستلجأ لحيلة تستر بها سوء طويتها؟