في حكايةٍ رمزية من ذاكرةِ الشعوب: أمٌ تُعانِق ابنتَها في المطار، عِناقَ مُودِّعِ دنيا، وأمنيةَ محتضر، تقول لها: «أتمنى لكِ ما يكفي». ‏تُكررها مِرارًا. وابنتها تبكي. ثم تتفارقان وينتهي المشهد. أعني المشهد الأساس؛ إذ ما بعده زيادات رواة.

‏في تلك اللحظة؛ جميعُ مَنْ بصالةِ الوداعِ، هم جمهورُ هذا المشهد، الذي يُفترض أن يقولَ: «الجملة ناقصة» ثم يسأل: «تتمنين لها ما يكفي.. مِمَ؟». إلا أنّهم لم يَسألوا؛ لأنَّها مكتملةٌ في الوعي الجمعيّ كتعبيرٍ لفظيّ، وأما المعاني فهي مطمورةٌ في القلوب. أي أنَّ هذه الجملة تُعبّر عن عَلاقةِ ضِيقِ التعبير، والمشاهدة البصرية، أمام سَعةِ الحياة والمشاهدة القلبية، مما يُذكّرنا بمقولةِ النفّري الصوفي: «كلما اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة». والغريبُ هنا أنَّ النفّري سَمّى كتابَه (المواقف والمخاطبات)؛ وهو ما يتّسق مع وقفةِ الأم ومخاطبتها لابنتها. إذ سياقُ جملةِ النفّري هكذا: «أوقفَني؛ وقال لي: إن عبدتني لأجلِ شيءٍ؛ أشركت بي. وقال لي: كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». ألا يدلنا هذا القول على أمنيةِ الأم؛ إذ الاكتفاءُ معنى سيجعل العبادةَ خالصة؟ وربما من علامات ذلك؛ أنَّ جملةَ «أتمنى لك ما يكفي»، أتت -في إحدى روايات الحكاية- كأمنيةٍ توارثتها الأجيالُ، مما يجعلها ذاكرةً جمعيّة، وكأنَّها جزءٌ من كتابٍ صوفيّ يُدرَّس لتلك الأمة. وبحسبِ المتمني وصفاته ومراميه، تكون تكملةُ الجملةِ، فهذه الأمُّ كانت تكملةُ أمنيتِها بحسب تاريخِها الناطقِ في زيادات المشهد؛ كالتالي:

«أتمنى لكِ ما يكفي من نورِ الشمس، كي تكوني مُنيرة. وأتمنى لكِ ما يكفي من المطر، كي تحنّي وتُقَدّري الشمسَ. وأتمنى لكِ ما يكفي من السعادة، كي تعلو روحكِ. وأتمنى لكِ ما يكفي من الألم، حتَّى تُقدّري أصغر لحظاتِ السعادة. وأتمنّى لكِ ما يكفي من الربح حتى تُرضي احتياجاتكِ. وأتمنى لكِ ما يكفي من الخسارة لتعرفي قيمةَ ما ربحتي. وأتمنى لكِ ما يكفي مِن المحبين؛ حُبًا، يجعلكِ تتغلبين على الذين يودعونكِ الوداع الأخير».

لكنَّ السؤالَ: ما الغايةُ المختبئةُ التي تريد أن تنفذَ إليها تلك الأمنية؟

إذا كانت غايةُ مواقفِ النفّري، هي استنفاد الظاهر لبلوغِ الباطن، فإنَّ غايةَ أمنيةِ الأم التزوّدُ بقليلِ الظاهرِ المتضادّ؛ كي يتجلّى الباطن. والنفّري يجعل العبارةَ معانٍ ظاهرة، والرؤيةَ معانٍ باطنة. وهذا ما جعل أمنيةَ الأم -ومعها المجتمع- رؤيةً باطنية واسعة، ضاقت لتكون عبارةً مجتزأة. وكأنَّ السؤالَ اللاحق: كيف الوصولُ إلى الغِنى الداخليّ الذي يجعل الباطنَ يَتجلّى من ذاتِه ولذاتِه؟

سأضع تجربةَ محمود درويش مع قلبِه، سبيلًا للمحاولةِ للوصولِ إلى شيءٍ مما تُريده المقالةُ. وسيكون (القلب) بوصفِه مُضغةً تَضخّ الدمَ يُقابل عبارة النفّري. و(القلب) بوصفِه معنىً، يُقابل رؤيةَ النفّري.

لدرويش مع وجعِه ثلاثُ مراحل؛ الأولى في الثمانينيّات حين جاءته أولَ أزمةٍ قلبيّةٍ، فقال بعدها: «تدور بي الريحُ حين تضيقُ بي الأرض» وبلغةِ النفّري: (كلما ضاقت الأرضُ اتّسعت الريح). وهذه المرحلةُ كانَ درويشُ يمتَح فيها من خارجِ ذاتِه، لهذا حاولَ أن يَطير ويلجم الريحَ، ولم ينجح؛ لأنه (آدمي)، كما قالَ في القصيدةِ ذاتها. والفشلُ هو ما جعله يقول: «وشاهدتُ قبري على راحتي»، بوصفِه علامةَ الظاهرِ والعبارةِ، التي عجزت عن الدخولِ إلى أعماقِ الباطن. ثم في التسعينيات جاءته الأزمةُ القلبيةُ الثانية، وهي التي كتبَ بعدها الجداريّة، وفيها تخلّى عن الخطابِ القصيرِ الظاهري، وسعى لمحاولةِ دمجِ الظاهرِ بالباطنِ، لكن ما زال هذا الدمج يلتمس طريقَه باللغة، إلا أن تجلّيها بالجداريةِ كان من خلال لغةٍ تُغازل القلبَ؛ لهذا جاءَ بقصيدةٍ مُركبةٍ من الأسطورةِ والتَصوفِ.

وهذا ما ينقلنا إلى القلبِ بوصفِه معنى. وإلى الاتحادِ برؤيةِ النفّري. وهي ما ستجعلني أستعيدُ الأمنيةَ القصيرةَ «أتمنى لك ما يكفي»، إذ يقول درويش:

«لديَّ ما يكفي من الماضي/وينقُصُني غَدٌ/سأسيرُ في الدربِ القديم على خُطَايَ/على هواءِ البحر/لا امرأةٌ تراني تحت شرفتها/ولم أملكْ من الذكرى/سوى ما ينفَعُ السَّفَرَ الطويل».

وهذا القولُ سيبحث عن الغِنَى الداخلي، الذي يجمع كلَّ المتضادات التي قالتها تلك الأم، أو يقولها كلُّ أحدٍ كي يوازن حياتَه ليكملَ طريقَها الشاقّ. فما السفر الطويل (الموت)، إلا الرؤية الصوفيّة في ذروةِ تجليها. والموت هو موضوع الجدارية، ولم يُعِدّ له إلا ذاكرة (نافعة)، وهذا النفع لا تترجمه إلا الذاتُ العارفةُ.

فهل لديك ما يكفي من ذاتِك العارفة كي تُجرب الموتَ قبل الموت، ومن ثمّ تمتلئ بأسبابِ البقاءِ ذاتيًا؟

وهذا ما يجعلني أقولُ: إنَّ جملةَ الوداعِ الدرويشيّ ستكون هكذا: أتمنّى لك ما يكفي من ذاتِك الآخريّة -ذاتك التي تجرب الموتَ وتعود- لتعرفَ لذةَ العزلةِ التي تبني بها الغدَ الناقص، لذةَ الصمتِ الذي يحكي حكايةَ كلِّ شيءٍ، لذةَ القهوةِ وحيدًا، لذةَ القراءةِ والكتابةِ في ملكوتٍ نفسيٍّ خاصٍّ، لذةَ الموسيقى وهي تصعد بك في سماوات الذاكرةِ الفردية، لذةَ الأُنسِ بالذاتِ التي هي آخر؛ تَعبَّأَ بالحكاياتِ والذاكرةِ الخصبة. لذةَ أن تُخاطِبَ وعيك، بوصفِه الصديقَ المنتظر الذي لم يأتِ بعد، صديق يُشبِه القلب.

وأخيرًا: كانت المرحلةُ القلبيةُ الثالثةُ لدرويش هي الموتُ أيضًا؛ لكن لم يَعُد للحياة. ليجعل غيرَه يُعدّ ديوانَه الأخير: ديوانَ (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي)، ليكون بريئًا من أيِّ عبارة، قد تُخِلُّ بالرؤيةِ المطلقة، ولتتجلّى جنازته قصيدةً تُعبّر عن رؤيةٍ قلبيةٍ كاملةٍ بلغةِ التجربةِ الذاتيةِ وحسب.

التفاتة:

ربما أنَّ الغنى الداخليّ يتزوَّد من الخارجِ، لكن بزادٍ نوعيٍّ مختلف؛ فيه حجرُ الفيلسوفِ الذي سيمنح صاحبَه الوقودَ اللازمَ لبقيةٍ من حياة، إذ هذا الخارج مصدر الذكرياتِ والقراءةِ، والكتابةِ ولذةِ العزلة والصمتِ المهيب، لكنَّه خارجٌ ينشأ من الداخلِ العميق، الذي لديه القدرةُ على تعبئةِ الخارج. وربما هذا ما يجعل الذاتَ مكتفيةً بنفسِها، ومُحِبَةً للآخرين -حد التماهي- في الوقتِ ذاته.