المنهج التاريخي يمثل العمق والجوهر والمعرفة التي تستقيم بها الدراسات التاريخية، من خلال تماسكها وتمثلاتها وتحليلها الناقد والمسهم في تنمية التفكير التاريخي ومهاراته، ولكننا نلحظ في الفترة الأخيرة شيوع الاشتغال على منهج (الشك) كنشاط ذهني استنباطي لا يتوخى الدقة واليقين، وضبط الأحداث وفهم الوقائع عبر العصور والحقب وسبر الأغوار، مما يقودنا إلى تفتيت الزمن التاريخي، ونفي الحقيقة التاريخية وإعادة تأسيس تاريخ عديم الدلالة مرتبك المحددات، نقوّض من خلاله وعي الشعوب لذاتها وحسها ومسار حركتها، وبمتابعة تلك البحوث أو المقولات نلحظ ميلها إلى طرائق البحث النظري البحت، وهي محاولة الوصول إلى تعميمات بعيدة عن التجارب الميدانية والتفسيرات المنطقية، مما يدخلنا في نفق التكهن والجدل العميق ويسلمنا إلى شك الجاحظ وديكارت، ولا يوصلنا إلى بهو التثبت والاستقراء الموضوعي، والمتتبع في الأيام الفارطة يصطدم بخطاب انعكاسي إيهامي مفزع يصدر من شخوص اعتبارية في بلادنا، تتوافر لها السمات الذهنية والعلمية المرموقة والمستوفية لكل شروط الوعي والفرادة وعمق الرؤية، وهذا ما يدعو للحيرة، فأحدهم يدعونا إلى أن نفكر معه قليلاً هل يقول مبعوث فارسي اللسان العبارة الفصيحة (عدلت فأمنت فنمت يا عمر)؟ ويضيف قائلاً: (إن بلاغة القول عطلت قدرتنا على التفكير نحن أمة وقعت فريسة للبلاغة) كما شكك في مغزى فتح عمورية!
وفي رؤية أخرى نفى عالم آثاري سعودي موقع أصحاب الأخدود وما فعله ذو نواس الحميري حين علم باعتناق أهل نجران للنصرانية، فبعث دعاته إليهم يدعونهم إلى ما يدين به وهي ديانة اليهودية، فامتنعوا فغزاهم ثم خيرهم بين القتل أو الدخول في اليهودية فاختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود ثم حرقهم بالنار قال تعالى: (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود) الآية. ترى إذا لم يكن أصحاب الأخدود في نجران فأين يكونون؟ وهل روايات ابن هشام والطبري وياقوت والقزويني والهمداني شاذة ومدعاة للارتياب والمتخيل أم هي ضرب من ابتداع الرواة؟ كما أذهلنا الأكاديمي الثالث وهو يحلف بالطلاق أن المغول لم يحرقوا كتاباً واحداً في بغداد، بينما كل الوثائق والمرويات والنصوص التاريخية والمستشرقين يؤكدون وحشية ذلك الزحف المدمر للحضارات.. تقول مخطوطة (جامع التواريخ) المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس (قصارى القول أن كل ما كان الخلفاء قد جمعوه خلال خمسة قرون أخذه المغول في أيام، وأحرقوا ما هو أغلى من الذهب وأثمن، أحرقوا الكتب والمدارس والمساجد..) إن طروحات هؤلاء الأكاديميين مخالفة للعقل والعقلنة ومزحزحة لصيرورة التاريخ وأفاعيله واستتباعاته.