وبمناسبة الحديث عن نهاية قرن وبداية آخر، تحضرني شهادة لأحد الفضلاء، عن شيء من الإيمان والتصديق لدى بعض الأسماء الكبيرة في التيار الصحوي، بمسألة مهدوية القحطاني صاحب جهيمان، وأنهم كانوا ينتظرون فقط انتقال إحدى فرق الجيش السعودي من تبوك إلى مكة، وإذا ما خسف بها، فسيلحق بجهيمان ويبايع المهدي المزعوم، وفعلة جهيمان الشنعاء كانت في مفتتح القرن الهجري الخامس عشر، ولذلك، وكما أقول دائماً: لا تثق بمن يؤمن بفضائل آخر الزمان.
وتتبع مثل هذه الدراسات والمخططات مهم، وذلك من خلال المنشور، وهو نادر، أو شبه معدوم، أو من خلال ما يلمح في كلام بعضهم، أو من خلال ما تعثر عليه أجهزة الأمن في مختلف الدول، مثل قضية سلسبيل 1992، والتي كشف فيها عما يعرف بوثيقة التمكين، ومثل ما ذكره طارق السويدان في التسريبات المهمة التي بثتها قناة العربية في يونيو 2020، أثناء اجتماعه بأعضاء الحركة الإسلامية في الخرطوم عام 2014، وتكمن تلك الأهمية في أن هذه الحركات السياسية/القتالية، تعمل بنظام النفس الطويل، فخططها تغطي عقوداً، قد يصل أمد بعضها الأعوام الخمسين، كالخطة التي أقرها عمر التلمساني لخمسين عاماً في 1986. ولا يخفى أن مثل هذه الخطط تحظى برعاية وعناية فائقتين من صناعها من ناحية تحديثها وتطويرها وصناعة الروافد والمعززات والملحقات لها، وهي تعمل وفق نظرية: (بطيء، ولكن أكيد المفعول)، ومن المضحك أن هذا المثل الإنجليزي، كان يصف به المتطرفون من الجماعة الإرهابية أعمال وخطط مناوئيهم الفكريين، من الحداثيين ثم العلمانيين ثم الليبراليين، وهي كلمة رددها محمد قطب وسفر الحوالي وناصر العمر وبشر بن فهد البشر وغيرهم، ثم عادوا ليبشروا بها كإحدى أهم النظريات في صلب وصميم العملية التنظيمية للعمل الحركي الإسلاموي.
وأنبه إلى ضرورة أخذ مسألة تتبع خطط القوم بجدية وحزم، حيث إن القرن الحادي والعشرين لم يبلغ بعد الربع الأول منه، وقد رأينا مبلغ ما وصلوه في مصر، وتونس، والكويت، ودول إفريقيا، والدول الأوروبية وغيرها، فكيف عند نهايته، وكما هو معلوم فإن المئة عام في عمر المجتمعات هو عمر قصير.
على كل، حظي محور الطرح السياسي، باهتمام من قبل العينة، والتي اتضح أن الغالبية منهم كانوا متفائلين بالأوضاع القريبة القادمة (زمن الدراسة: 2001)، وأنها ستساعد على تفعيل الطرح السياسي، وطالبت الآراء بحرية التعبير والرأي المنضبط بحدود الشريعة، بحكم أن ذلك يعتبر: صمام أمان للمجتمعات، وصمام أمان للعلاقة بين ولاة الأمر والرعية في البلاد الإسلامية، لأنه من دون وجود حرية للتعبير سيحصل كثير من المشكلات في المجتمعات، بالتالي تنشأ الآراء المتطرفة التي تعيش تحت السطح. لهذه الأسباب رأت الدراسة: ضرورة التعاون مع كافة الجهات، لحشد كافة الإسلاميين حول هذا المطلب، وجعله مطلباً وطنياً عاماً في كل بلد إسلامي على حدة، وهذا الكلام حينما تستحضر خلفية القائلين به، تدرك مدى الخطورة المدمرة فيه، ومع ذلك لم يغفل هؤلاء «الدعاة» أن موضوع الحريات السياسية سلاح ذو حدين، فبقدر ما هو ضروري للدعوة، فإنه يمكن أن يستغل من قبل من له أهداف مريبة للترويج لأهدافه.
ورأى غالب العينة أنه من الواجب أن يتصدى ثلة لمعالجة موضوع الحريات السياسية، وبيان حقيقة الإسلام ومقارعة المبطلين، ولا بد من إسناد هذا الأمر إلى ذوي الخبرات بمن تتناسب قدراتهم معه. وأشار بعضهم إلى أن مما يساعد على ذلك دراسة الأطروحات الغربية، وموقف الإسلام منها، ومناصرة من طالب بذلك، وتجنب الصراع الداخلي قدر الإمكان، كما أكد بعضهم ضرورة معالجة موضوع الحريات السياسية، ولكنه يشترط إذا لم يؤد ذلك إلى مفسدة، وأن يكون بحسب المصلحة، مع الاستفادة من تجربة الإسلاميين وتقويمها مع ترتيب الأولويات، مع ضرورة النضج السياسي، وثمة رأي يقول إن هذا الموضوع مهم، ولكن ليس على النطاق المحلي (السعودي) في الوقت الحالي، بحكم أن الأوضاع السائدة لا تساعد على طرحه.
وأما بخصوص المطالبة بحرية التعبير والرأي المنضبط بحدود الشرعية والملتزم بالضوابط السياسية والأمنية العامة، فهذه معادلة صعبة التحقيق، لكونه غير واقعي ولا مجد، إذ برروا ذلك بأن المسؤولين يرون أن النظام الأساسي للحكم كفل ذلك من دون مطالبة، ومع تأكيدهم على ذلك -عدم الجدوى- إلا أنهم يرون الموافقة على هذا الأمر، بحجة أنه سيسهم بفاعلية في تسريع الخطوات الإصلاحية، مع اشتراط القدرة والأسلوب المناسب وألا يكون ذلك سبباً في منع خير أكثر، غير أن أحدهم طرح مجموعة من التساؤلات بعد تأييده هذا الأمر، حيث قال «نعم، ولكن أين تطرحه؟ وعلى من؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن يطرحه؟ كل هذه الأسئلة ينبغي النظر فيها».
وفي مجال الإجابة عن سؤالين حول موقف القوى العالمية والمحلية من المطالبة بحرية التعبير، رأى عدد من أفراد العينة، أن معظم القوى الإسلامية لا تؤيد ذلك، أما موقف القوى العالمية فسوف تؤيد ما يتناسب مع تحقيق مصالحها إلى حد كبير، وما يخدم سياستها الاستعمارية.
واختلفت الآراء حول إمكانات حشد القوى الإسلامية تجاه هذا المطلب، فمن هؤلاء الصحويين من يرى إمكانية ذلك بإطلاق، ومنهم من يرى ذلك بعد فترة، ولكن أغلبيتهم رأت أهمية تحويل ذلك إلى مطلب وطني، وليس إسلامياً فحسب، مما يعني أنه يتوجب على الصحويين التعاون مع مختلف الأطياف الفكرية التي تناصبهم ويناصبونها العداء، وهو ما حدث بعد أقل من سنة ونصف من هذه الدراسة. وللحديث بقية حول هذا المحور.