مسألة المنهج في التاريخ، خصوصا تاريخ العلم، لها أهمية قصوى، حيث إن أسلوب المعرفة الصحيحة لكشف الحقائق له أهمية أعظم من الفلسفة والعلم والموهبة. نحن نعلم أن أوروبا في القرون الوسطى كانت غارقة في ظلام الجمود والركود مدة ألف سنة، وبعدها تحولت فجأة من مرحلة الركود والجمود إلى حركة إصلاحية شاملة في العلم والفن والأدب والقضايا الإنسانية والحياة الاجتماعية، وبعدئذ كانت هذه الحركة الإصلاحية والنهضة الفكرية بالذات منطلقا لإيجاد المدنية والثقافة الحديثة في العصر الحاضر. في هذه الحالة يجب أن نسأل أنفسنا لماذا توقفت أوروبا ألف سنة؟ وكيف تمكنت فجأة من تغيير اتجاهها؟ وفي مدة قرنين أو ثلاثة تمكنت من أن تكتشف الحقائق التي لم تصل إليها طيلة ألف عام!. هذا سؤال خطير ومهم، وربما يكون أهم وأعقد سؤال ينبغي أن يجيب عنه العلم.

لا شك أن هناك عوامل متعددة سببت هذا الركود والتوقف في أوروبا بالقرون الوسطى. كما أن هناك أسبابا مختلفة أيقظت أوروبا فجأة، ووضعتها على طريق النهضة والرقي والتقدم السريع المدهش. وفي هذا المجال، يجب أن أشير إلى أن العامل الأساسي في تخلف الفكر الأوروبي والمدنية والثقافة في أوروبا بالسنوات الألف من القرون الوسطى كان هو المنهج الأرسطي المعتمد على القياس، وعندما تغيرت هذه النظرة إلى الأشياء والقضايا تغير معها العلم والعالم والمجتمع، وتغيرت معها الحياة الإنسانية، فالحديث هنا إذن عن الثقافة والفكر والنهضة العلمية. لذلك، فإن تغيير المنهج والأسلوب كان هو السبب الرئيسي لهذه النهضة الحديثة. ولو كان يبدو، بحسب الظاهر، أن السبب المباشر لهذا التغيير هو تبديل نظام الإقطاع بالنظام البرجوازي، وكان ذلك بتأثير من انفتاح الغرب المسيحي على الشرق الإسلامي في أيام الحروب الصليبية.

إذن، فالمنهج له تأثير كبير في إيجاد التقدم أو الانحطاط، والمنهج العلمي المتبع هو الذي يسبب الركود والتخلف أو يفجر الحركة والتقدم، وليس النبوغ العلمي، فمثلا في القرن الرابع والخامس قبل الميلاد نبغ في الفلسفة والعلوم عمالقة لم يكن يلحق بهم نوابغ القرن الثالث والرابع والخامس عشر الميلادي، فلا ريب أن أرسطو كان أعظم نبوغا من فرانسيس بيكون، وأفلاطون كان أنبغ من روجر بيكون. لكن لماذا أصبح هؤلاء الأفراد الذين هم أقل درجة في النبوغ من أرسطو وأفلاطون رواد النهضة العلمية، بينما كان أولئك النوابغ أنفسهم سببا لركود القرون الوسطى وتوقف ألف سنة فيها؟ لماذا يصبح نابغة علمية في العالم سببا للتخلف والركود، ويصبح رجل متوسط النبوغ سببا للتقدم العلمي والنهضة الاجتماعية؟.

الجواب هو أن الثاني وجد المنهج الصحيح للتفكير، وفي هذا الطريق يتمكن حتى المتوسط في العلم أن يصل إلى الحقيقة، بينما النابغة العظيم إذا جهل المنهج القويم للتفكير، فإنه لا يتمكن أن يستفيد شيئا من نبوغه

.1974*

* كاتب وباحث إيراني « 1933 - 1977 "