لم يكن سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، ولي العهد ووزير الداخلية ونائب رئيس مجلس الوزراء، شخصاً عادياً أو حتى قائداً عابراً، وإنما كان قائداً استثنائيا.. استثنائيا لأنه استشعر حجم وعِظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأدرك معنى وأهمية ربط الوطن بالأمن، وربط الأمن بالمواطن، وربط الأمن بالمستقبل.. مسؤولية لا تقف مع حماية الأمن الداخلي من العابثين وضعاف النفوس، وإنما تتعداها إلى التعامل مع الأحداث الداخلية والخارجية.. الإقليمية والعالمية بحكمة وتأنٍ وببعد وطني وتربوي قبل التعامل الأمني العسكري كما يحدث تقليدياً. ومما يؤكد ويدعم رؤية وبعد نظر الأمير القائد نايف بن عبدالعزيز ـ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ـ كيفية تعامله وإدارته للأحداث التي أعقبت تفجيرات نيويورك عام 2001 م من هجمات إرهابية استهدفت العالم بأسره والسعودية بشكل خاص.
على الرغم من عظم الموقف ودرجة الحزن العميقة التي أصابتنا برحيل القائد الاستثنائي الأمير نايف بن عبدالعزيز، إلا أننا أيضاً نقف ونؤكد أننا فقدنا رجل دولة، رجلا ترك إرثاً من العمل والبناء الأمني والإداري، كلنا – أبناء وبنات الوطن – رجال أمن، نبذل الغالي والنفيس في سبيل حماية وطننا من أطماع الحاسدين.. حس وطني كان يدركه الأمير نايف وأثنى عليه وعمل على ترسيخه في مناسبات عدة. ما كان يعمل عليه الأمير نايف من ترسيخ وتقوية الحس الأمني وربطه بمستقبل وأمن واستقرار الوطن والمواطن لم يكن غريباً، فقد نهل وتربى على يد القائد الوالد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، والذي عمل مع أبنائه وأبناء وبنات الوطن – آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا – على بناء وطن من لا شيء، ولكنه مع رجالاته بدأ بترسية الأمن، فأصبح الحاج والمعتمر يأمن على نفسه وأهله وماله في رحلة الحج، والمقيم أياً كان – سعودياً كان أم أجنبياً – يأمن على نفسه وعرضه وماله، فلا وطن من دون أمن، وهذا ما أدرك أهميته وخطورته أيضاً الأمير القائد نايف، رحمه الله.
عندما كنت أدرس في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً في مدينة كنت في ولاية أوهايوا وأثناء لقاء تعارف في برنامج الدكتوراه، تحدث أحد الأساتذة الأميركيين وأمام حشد من الأساتذة والطلبة الأميركيين والأجانب عن إعجابه واحترامه للسعودية، وما تعنيه له بصفته رب عائلة من زوجة وابنتين، وبنبرة يغلب عليها الحزن والتمني في نفس الوقت، ذكر أنه كمسؤول عن عائلته لا يشعر بالأمن الذي تعيشه العائلات في السعودية، وهذا – حسب قوله – عمل ومطلب ليس بالسهولة تحقيقه، ولكنه يحصل في السعودية. كما استمعت من آخرين، بعضهم أميركيون، عن مدى إعجابهم واحترامهم للسعودية، ودائماً يأتي الأمن أولاً، فلا أنسى، مثلاً، ما قالته لي إحدى العائلات الأميركية والتي عاشت لعقدين من الزمان في مدينة الظهران أثناء عمل الزوج في شركة أرامكو السعودية، فقد كانوا يتحدثون بحب واحترام عن السعودية وكأنهم يتحدثون عن بلدهم أميركا.. حديث تؤكده الزوجة وابنتاهما، وكلهم أكدوا أن ما يربطهم بالسعودية هو انتماء بحكم الولادة وبحكم الأمن والأمان والاحترام الذي شعروا به وتعودوا عليه. ما كانت هذا المشاعر والاحترام لقيم ومنجزات المملكة من أناس حياديين، بعضهم عاش في المملكة وبعضهم لم ير أو يُقم فيها سابقاً.. أقول ما كانت لتكن لولا العمل الدؤوب الذي تنتهجه قيادة المملكة منذ بداية تأسيسها على يد الوالد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله. وما تحقيق وترسيخ وتوسيع رقعة الأمن الشامل إلا أحد، بل وأول هذه المنجزات.
عرفنا الأمير نايف كقائد والمسؤول الأول عن الملف الأمني وولياً للعهد، ولكنه لم يكن يتعامل مع الملف الأمني بشكل عسكري صرف، ولكن بحس من التربية والإدارة والأبوة مع حزم صارم لحماية الوطن وأبناء وبنات الوطن، بل وحتى حماية المغرر بهم من صغار السن وعائلاتهم من شر أنفسهم وشر الجماعات والأفكار التي تحيط بهم وتريد أن تقضي عليهم. في عدة مناسبات ولقاءات، تشرفنا بلقاء الأمير نايف، وفي أحدها وبلقاء مباشر مع سموه، رحمه الله، رأيت وسمعت وشهدت على حسن أسلوبه في الحديث وطريقة حديثه وانتقائه للعبارات المختصرة ولكنها معبرة، مع تقديره للصغير كما الكبير وصبره وأدبه في حسن وتركيز الاستماع، وكذلك إلمامه بتفاصيل الأمور التاريخية ومناقشتها بشكل قيادي وتحليل سياسي مبهر.
في فن وأسلوب القيادة يتم أحياناً اتخاذ قرارات صعبة أو استثنائية، وقد تحمل درجات عالية من المخاطرة، ولكنها ولمحدودية الخيارات تصبح الأقرب ويؤخذ بها رغم ما تحمله من تكاليف اقتصادية واجتماعية ونفسية، فقط، القادة الاستثنائيون يملكون هذه النظرة البعيدة المدى ويملكون أيضاً القدرة على ربط الأحداث الحالية وما قد يحصل في المستقبل.. وهي قدرات قطعاً تغيب عن الإنسان العادي وحتى كثير من المتخصصين والمتابعين والإداريين وغيرهم. وكقائد استثنائي، تمكن الأمير نايف ـ رحمه الله ـ من التعامل مع الأحداث بكل عقلانية وتروٍ وحكمة مع إدارة المخاطر بشكل خاص، فاتخذ قرارات صعبة وفي مناسبات وأحداث تاريخية، وهذا ما يسطر ويشهد التاريخ به.
على أن الأمير نايف قد رحل، فإن السعودية بأبنائها وبناتها كلها نايف ومعه عبدالعزيز وأولاده.. دولة وشعب، وطن وقيادة، تلاحم وولاء قام على الإسلام أولاً وأخيراً. رحل القائد المحنك، قائد الأمن الشامل، ولكنه باق، باق بإخوته وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حفظه الله.. باق بأبنائه وبناته وعلى رأسهم الأمير سعود والأمير محمد.. وباق أيضاً بنا كلنا – أبناء وبنات الوطن الغالي.. المملكة العربية السعودية.