من أعجب المعلومات التي كشف عنها العلم بوابة سرية لدخول الدماغ، فليس كل ما يمر في الدوران يدخل المخ بسهولة، وهو حديث ممتع عن كيفية عمل البيولوجيا، في نموذج علينا أن نتأمله من داخل جسدنا، في معنى العقل (النقدي) الذي يُرَشِّح ويغربل الأفكار، والعقل (النقلي) الذي يمرر الأفكار بدون تمحيص، في نموذجين الأول في كيفية استفادة البدن من المواد القادمة إليه، فهي لا تدخل إليه مباشرةً بل لابد من تفكيكها إلى وحداتها الأولية الخام، وحروفها الأصلية، ثم يقوم البدن بعد هذه الغربلة والفرملة والتقطيع بالتعامل معها في منتهى الحكمة والذكاء، وهكذا فالخبز يتقطع إلى الوحدات الأولى في صورة سكر الجلوكوز، واللحم إلى (الحروف الأولى) في صورة الأحماض الأمينية، بعدها يركب الجسم ما يحتاجه وحسب الطلب، من الهرمونات والأنزيمات ومواد البناء المعقدة، أو إطلاق الطاقة من السكر.

إنه يفعل ما يفعله (العقل النقدي) مع اللغة، فكلمة (فكر) تتكون من ثلاثة أحرف، ولكن حسب نظرية الاحتمالات، يمكن أن تتشكل منها ست كلمات (فكر - كفر - فرك - كرف - ركف - رفك) بمعان عجيبة، فالأول (فكر) عمل ذهني راق صاعد بالكينونة الإنسانية، والثاني (كفر) ضلال وشقاء، والثالث (فرك) عمل يدوي، والرابع (كرف) (شم الحمار البول فرفع رأسه وقلب شفته العليا؟!) والخامس والسادس (ركف + رفك) مبدئياً بدون معنى!

والعقل النقدي يتجه إلى كلمة (كفر) فيحيلها إلى (فكر وإيمان) كما يحول البدن الحمض الأميني إلى هرمون يضخ الفعالية والحبور في البدن.

كذلك تنقل إلينا أبحاث الفيزيولوجيا العصبية أخباراً عجائبية، عن وجود حاجز غير مرئي في الدماغ، سمي بالحاجز الدماغي الدموي (BBB = BRAIN- BLOOD - BARRIER) طبيعته مجموعة رهيبة من خلايا عصبية دبقية، قد تخصصت في (النقد الذاتي) فالدماغ يتعامل مع ما يأتيه من مواد؛ بشكل نقدي انتخابي اختياري كأحكم الحكماء وأمهر الأذكياء؛ فهو لا يمرر كل مادة تدخل البدن، بعد الحاجز الأول الذي أشرنا إليه، بل يتأملها بحذر بالغ ويقلب فيها النظر ويصعد، ويتمهل في اتخاذ قراراته، فمادة الصوديوم بعد دخولها الدوران في عشر ثوان، تحتاج إلى ستين ساعة، قبل دخول الدماغ من خلال هذا الحاجز غير المنظور فلنتعلم هذا الدرس البليغ من العضوية؟

جاء في كتاب (العقل البشري) تأليف جون فايفر أن (بول اهرلنج) لاحظ أثناء التجارب التي قام بها لاختبار مقدرة مواد مختلفة على قتل الجراثيم، حقيقة فريدة من نوعها. لقد لاحظ أن الكثير من الأصباغ بعد حقنها في الدورة الدموية تنقل إلى جميع أجزاء الجسم فتصبغ بلون قاتم فعال فيما عدا أنسجة المخ، ويبدو أن هناك شيئاً يعيق تدفق الكثير من المواد للدورة الدموية إلى المخ يطلق عليه الباحثون (الحاجز بين الدم والمخ) وهو مصمم بحيث يزود ما يعادل (1\8) جالون من الدم الذي يقوم بدورة دموية مخترقاً المخ في كل دقيقة، بكمية من تلك المواد الضرورية للمحافظة على الخلايا العصبية حية ومشعة. وهذا الحاجز الفاصل بين الدم والمخ هو بمثابة جهاز ترشيح فعال يتمثل آخره في الأرجل الماصة للبلايين من الخلايا المرصعة النجمية، وهي غير النورونات المفكرة.