في يوم السبت، قرّر الجنرال "مود" رئيس فريق المراقبين الدوليين في سورية وقف أعمال الفريق بسبب التصعيد في أعمال عنف خلال الأيام العشرة الأخيرة، والخرق المستمر لخطة أنان، وعدم تمكين المراقبين من أداء مهامهم، بعد نحو شهرين من بدئها في 20 أبريل الماضي.

والمفروض أن يدفع ذلك المجتمع الدولي للتحرك، بعد أن أصابه الشلل بسبب ممارسة روسيا لحق النقض في المجلس الأول، واكتفى بموقف المتفرج والانتظار إلى أن يخرج كوفي أنان ونقاطه الست بمعجزة. ومع أن الحكومة قد فشلت في تنفيذ ما يخصها منها، وأهمه وقف إطلاق النار وسحب الجيش من المدن، إلا أن معظم الدول الكبرى تُصرّ على أن خطة أنان هي المخرج الوحيد.

أما وقد توقف المراقبون عن أداء عملهم، فلم يبق من خطة أنان شيء على الأرض.

فالصور القادمة من سورية تحكي جزءا من القصة: آلاف من الأطفال والنساء والشيوخ يُذبحون دون سبب، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإعدامات أصبحت أحداثا يومية. مئات الآلاف من اللاجئين في دول الجوار، والنازحين داخل وطنهم، الهاربين من جحيم الحرب. تدمير المنازل والأحياء، وبلدات بأكملها. وما لا تظهره الصور ولكن التقارير متواترة بشأنه: الاغتصاب، والاختطاف، والتعذيب، والاعتقالات الجماعية. إنه باختصار تدمير متعمد لشعب بأسره.

أما الهدف فهو الحفاظ على السلطة، فخلافا لما يروجه له النظام وحلفاؤه الروس، ليست هذه حربا أهلية، بل هي حرب يشنها النظام على الشعب السوري الأعزل.

ومع أن مجلس حقوق الإنسان، وهيئة التحقيق المستقلة التابعة له، ومنظمات حقوق الإنسان، تصدر التقرير تلو التقرير، وتوثق الانتهاكات وتدينها، إلا أن آلة القتل والتدمير تستمر.

ونظرا إلى أنني قد تابعتُ من خلال العمل الدولي الحالة السورية منذ عقود، فإنني أشك في أن النظام القائم فيها، بحكم طبيعته، قادر على تغيير موقفه في أي وقت قريب. فقد أظهر مرات عديدة أن العنف، وليست الحلول السياسية، هي وسيلته الوحيدة التي يستطيع التعامل بها. فالفكر الذي يقوم عليه النظام ينطلق من فكر حزب البعث الذي يحكم سورية منذ 1963، وهو منظمة تأسست على نموذج الأحزاب الفاشية الأوروبية، ثم تطورت إلى ما هو أسوأ، فأصبحت إقطاعية عائلية تقوم على الدعم المطلق من قبل قوات الأمن والجيش. ولذلك، فإن السياسة، في أي معنى حقيقي للكلمة، لا توجد اليوم في سورية، ولا مجال فيها للأخذ والعطاء والمساومة والحلول الوسط.

اكتشفتُ ذلك منذ عشرين عاما، حينما كلفتني منظمة دولية بإعداد تقرير شامل عن حقوق الإنسان في سورية. وكانت النتائج صدمة لي، وهي لا تختلف في طبيعتها كثيرا عما نراه في سورية اليوم، وإن كانت على مستوى أدنى من العنف، كما لم تختلف ردود النظام منذ 20 عاما عن ردوده اليوم على التهم الموجهة إليه.

في عام 1992، كان النظام السوري، بعد انتهاء حرب تحرير الكويت التي ساهم فيها مساهمة متواضعة، يسعى إلى الخروج من عزلته، وكان أحد الصعوبات في قبوله كعضو في الأسرة الدولية هو سجله في حقوق الإنسان، ومن هنا كان من الضروري وضع الأمور في نصابها وإعداد تقرير محايد وموثق عن وضع حقوق الإنسان في سورية.

وكان أحد أسباب تكليفي بإعداد التقرير، على ما أظن، هو أنه لم يكن لدي موقف من النظام، بل بدأت من منطلق التشكك في التقارير التي كانت المعارضة السورية واللبنانية ومنظمات حقوق الإنسان تصدرها عن الوضع السوري.

ولإعداد ذلك التقرير، تم تشكيل فريق من الباحثين والمحللين لجمع المعلومات من جميع أنحاء العالم. وقابل الفريق المنفيين السوريين، وأغلبهم ضحايا لبطش النظام أو أقاربهم، المتواجدين في دول الجوار، خاصة لبنان والأردن والعراق، وفي أوروبا، خاصة فرنسا وألمانيا، وفي الولايات المتحدة وكندا.

وكما ترفض الحكومة السورية اليوم التعاون مع أي جهد دولي للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، رفضت في عام 1992 دخول الفريق إلى أراضيها، ولكن الفريق استطاع جمع المعلومات من داخل سورية، من خلال شبكة من المصادر المستقلة، وتمكن من جمع معلومات لم يسبق الحصول عليها من قبل لتوثيق الوضع من الداخل.

ولم يكن فريقنا مستعدا للصدمة التي أصابته وهو يضع الصورة النهائية، بعد جمع تلك المعلومات وتحليلها، وهي أن صفوة المجتمع السوري قد تم القضاء عليها من خلال القتل أوالسجن أوالنفي. ووضع الفريق في نهاية المطاف قاعدة معلومات غير مسبوقة وتحليلاً لها نُشر في حينه. وبالإضافة إلى مجزرة حماة التي قُتل فيها آلاف من المواطنين خلال اجتياح قوات النظام للمدينة، استطاع الفريق توثيق اعتقال آلاف المواطنين الذين اختفوا بعد اعتقالهم. ووثق حالات قتل واغتيال للمعارضين داخل سورية وخارجها، وإعدامات بالجملة في السجون، بدون محاكمة، أو بعد محاكمات صورية في "محكمة الثورة" أو المحاكم الأمنية الأخرى، حيث الأحكام مقررة سلفا.

ووثق الفريق التعذيب الممنهج في المعتقلات السورية المخصصة لمعارضي النظام، والذين كانوا يحالون بعدها إلى سجون ضحمة في تدمر وصيدنايا وغيرها ليواجهوا الموت البطيء في ظل ظروف معيشية مزرية.

وفي تلك الفترة، كما هو اليوم، لم يكن هناك أي بلد في العالم له سجل قريب من السجل السوري، سوى إسرائيل.

وبالطبع قُدمت نتائج التقرير إلى الحكومة السورية، وكان موقف المسؤولين وقتها كمواقفهم اليوم من تقارير مشابهة: ليس فقط إنكار كل شيء وتكذيب كل تهمة، بل الاعتقاد بأن الأوضاع في سورية هي الأفضل في المنطقة، والتشكيك بأن إثارة موضوع انتهاكات حقوق الإنسان يشكل إضعافا للمقاومة وخدمة لمصالح العدو الإسرائيلي. وكأن مقاومة العدو تتطلب قتل المواطنين أولا ومصادرة حقوقهم.

لم يتغير شيء يُذكر في تلك الصورة القاتمة حتى مارس 2011، حين بدأت الانتفاضة الحالية، وأصبحت وتيرة القتل والدمار أسرع.

فبعد هذا السجل الطويل وفشل المحاولات العديدة، وآخرها خطة أنان، لوقف إطلاق النار، والحوار والحل السلمي، فإن الانتظار إلى أن يغير النظام موقفه من تلقاء نفسه أصبح سذاجة مميتة، إن لم يكن تواطئاً متعمداً في تحقيق أهداف النظام.