الذين قالوا، بعد نكسة حزيران، إن التكنولوجيا سببها، وقعوا في شيء من التعميم.

الأصح أن التكنولوجيا أحد أسبابها، ولكن هذه التكنولوجيا صارت، كالتخلف، مشجبة طالما علقنا عليها ألبسة الحقائق مقلوبة، فلم نر إلا البطانيات منها الآن. وبعد معارك تشرين، جاء الوقت لكي نعيد ما ألفناه مقلوبا إلى وضعه الطبيعي، المبرهن عنه بمنطق أحداثنا، بعد أن برهنت عليه أحداث غيرنا منذ زمن بعيد.

ومن هذه البراهين أن التكنولوجيا أساس منجزات عصرنا، ولكنها تكنولوجيا في خدمة العصر، ولمصلحة قضاياه الرئيسية، وهذا العصر بهذا الامتلاك التكنولوجي هو عصرنا بقدر ما هو عصر غيرنا، بل هو عصرنا أكثر من غيرنا، لأننا مع مسيرته ولسنا ضدها، ولأننا المدافعون عن تقدمه، بينما أعداؤنا يحاولون عبثا أعادته إلى الوراء.


ولن نحيل إلى التاريخ الآن مقولة «التاريخ يعيد نفسه»، بعدما حسمت أكثر حقيقة أنه لا يرجع أبدا إلى وراء، وأن النصر في الصراع الدائر من أجل التحرر والتقدم حليف المناضلين.

بهذا المقياس، يملك العرب منجزات تكنولوجيا العصر، وفوقها الطاقة النفطية التي بدونها لن تحقق التكنولوجيا العلمية والتكنولوجيا الإنجازية، بينما لا يملك أعداؤنا سوى منجزاتها، لأن طاقتها المحركة في أيدينا وحدنا.

يبقى، إذن، استخدام هذه المنجزات التكنولوجية، والإسهام في صنعها تدريجيا، والعرب شرعوا في التصنيع، ودخلوا عصره، وهم يستخدمون منجزات التكنولوجيا، وبالشكل الذي أثبتت كفاءته معارك تشرين، وبذلك حطموا وهم تخلفنا في هذا المجال، حطمته مآثر وبطولات تشرين في جملة ما حطمت وستحطم من أوهام وخرافات. وقبلنا، في فيتنام، تحطمت أيضا خرافة العجز عن الاستيعاب التكنولوجي للعصر، وتمرغت هيبة التكنولوجيا الأمريكية العدوانية في مستنقعات الأرز على أيدي أبطال صارت بطولتهم قدوة ومنارة، أبطال هم مثلنا أصحاب قضية عادلة، وهم مثلنا تعرضوا للعدوان.

إن الشعوب في عصرنا هذا، وفي وحدة نضالها وأهدافها، قادرة على استخدام منجزات التكنولوجيا إذا لم تكن قادرة على صنعها بذاتها، وفي هذا الاستخدام تتفوق، لأن الإيمان بعدالة الهدف هو تفوق إضافي، ولأن الإرادة على النصر تعلم الإنسان وتجيد تعليمه في كل الميادين، وخلال المعارك الدائرة بالذات.

فدافعوا، وصمدوا في دفاعه، حتى استخذى وانحسر، وانسحب مهزوما محمولا على السفن التي جاء بها.

فيا أبطالنا الذين تصنعون على أرضنا المعجزة، التي صنعها الأبطال الفيتناميون على أرضهم، إنكم بما تأتون من ضروب الشجاعة والكفاءة، وبما تبذلون من دم هو ماء حياتنا، وعطر سمعتنا، وشرف کرامتنا، وأنتم لا تحققون الانتصارات وحدها، بل تحققون الحقائق نفسها، وتزيدونها نورا على نور، وترسيخا على ترسيخ.

1973*

* روائي وكاتب سوري «1924 - 2018»