نكسة 1967 تمخضت عنها نتائج وخيمة، لكنها لم تكن كلها سلبية، حيث سمحت للثورة الفلسطينية بتطوير مواقفها وتحديدها. وقد واجه الفلسطينيون -آنئذ- مسألة هذا الانهزام، ودلالته الأيديولوجية والإستراتيجية، وكان عليهم أن ينحتوا من أجل تحررهم نموذجا جديدا مغايرا لذلك الذي يسود العالم العربي، حيث كان يعكس أيديولوجيات لا تنسجم فيما بينها. والأدهى من ذلك أنه كان ترديدا للنماذج العالمية السائدة، خصوصا النموذج الأمريكي والسوفيتي، وحتى الأوروبي.

لم يكن هذا الانهزام إذن ذا دلالة سلبية من الناحية التاريخية. أما من الناحية النظرية فكان ينبغي على النظرية أن تواكب التطورات التاريخية، لكي لا يقتصر الكتاب على مجرد ترديد شعارات جوفاء، إذ كانت المواكبة تعني أساسا الارتقاء بالنظرية إلى مستوى هذه القضية، كان علي أن أكتب سجالا عنيفا في مستوى عنف القضية، كان على عنف النص أن يساوق العنف الذي تعرفه ساحة المعركة.

كنت أرتئي إذن وأنا أقدم على هذا العمل ضرورة اللجوء إلى نظريات ومفاهيم كان بإمكانها أن تساعد على النفاذ إلى عمق المسألة الفلسطينية، وعن طريقها إلى مسألة العلاقة بين اليهودية والإسلام، بين العرب واليهود.


والحال أن اليهود أنفسهم قد لعبوا دورا نظريا أساسيا في الغرب، فكان منهم كبار المفكرين أمثال سبينوزا وأينشتاين وفرويد وماركس، وآخرين غيرهم.

كان على تنظير هذا الصراع أن يحدد المواقع الإستراتيجية التي ينطلق منها. لذا، اخترت مواقع نظرية ثلاثة، هي: المسيحية ثم ماركس وفرويد.

لقد تساءلت أولا عما تمثله المسيحية بالنسبة لليهودي، ماذا كان المسيح من حيث هو مفهوم ميتافيزيقي نظري في عين اليهودي؟ فلربما كان هو مفهوم الخيانة نفسه، بحيث يكون المسيح ذاك اليهودي الذي خان شعبه، فأقام أخلاقه على هذا المفهوم. لقد اتخذت بنوع من السخرية مفهوم الخيانة، اتخذت المسيح كمفهوم خان الديانة اليهودية.

الموقف الثاني الذي انطلقت منه هو موقع ماركس باعتباره يهوديا معاديا للصهيونية، وقد كان لذلك نتائجه، سواء بالنسبة للأنظمة السياسية في العالم، والعالم العربي على الخصوص، أو عند اليسار الذي استلهم الأيديولوجية الماركسية.

الموقف الثالث: هو التحليل النفسي وفرويد، وهو أيضا يهودي كما نعلم.

لقد تعمدت انتقاء بعض النظريات، وأهملت أخرى مثل نظرية «هايدغر» الذي لم يكن يهوديا، لكني فضلت أن أنطلق من النظريات التي نمت في حضن اليهودية، والتي في إمكانها أن تساعدنا على فهم الصراع، وهكذا خلصت إلى مفهوم الوعي الشقي.

إن المسيح نبي، ولكنه مُنظر أيضا. مُنظر عملي كما يقول «غرامشي»، وهذا شأن ماركس: إنه مُنظر وداعية أيديولوجي. أما فرويد فهو عالم ومُنظر. لقد أحدث هؤلاء الثلاثة انفصاما ما وقطيعة: المسيح بالنسبة لشعبه والشعب المختار، وذلك عندما أقام المسيحية على مفهوم الشمولية. إن المسيح أسس نزعة إنسانية شمولية، وهذا شأن ماركس الذي جعل من الصراع الطبقي محرك التاريخ، ومن تحرير الطبقة العاملة غاية يرمي إليها تاريخ الإنسانية. إن شعار «يا عمال العالم اتحدوا» شعار شمولي عالمي. أما فرويد، فإنه يهودي ملحد مثل ماركس، ولكنه كان في موقف أكثر تعقيدا باعتبار أنه لم يعتنق الصهيونية قط.

إن التحليل النفسي عرف مجده في «فيينا»، وانطلاقا منها، وذلك في أواخر القرن الماضي، وفي الحقبة نفسها والموقع نفسه اندلعت الصهيونية. لقد نمت الصهيونية في موازاة مع التحليل النفسي، وقد التقت طرقهما في بعض الأحيان، فذهب البعض إلى تبرير الصهيونية وإقامتها على نظرية التحليل النفسي. وعلى الرغم من كل هذا، فإن فرويد نفسه لم يعتنق الصهيونية. غير أنه لم يكن مناهضا لليهود. وما كان يهمني أنا هو كيف فكر فرويد في المسألة اليهودية؟.

لقد تعرضت نظرية فرويد لرفض شديد من طرف الصهاينة، حيث إن «فرويد» خلخل مفهوم الواحد، فذهب إلى أن هذا المفهوم مفهوم مصري يرجع لأخناتون. كما زعم أن موسى مصري، مما جعله يتمتع بهوية مزدوجة، فصدع بذلك حنين اليهود وتشوفهم الأسطوري إلى الوحدة. لقد أقحم فرويد الازدواجية والانقسام والتمزق والدياسبورا.

لقد تبينت أن هذا التمزق هو ما كان «هيجل» يعبر عنه فلسفيا عن طريق مفهوم الوعي الشقي، فاستعنت بتحليلاته حول هذا المفهوم، واستعملتها بكل حذر، علما بأن «هيجل» مسيحي لم يكن يريد أن يفهم تاريخ اليهود.

لقد ظهر لي أن مفهوم الوعي الشقي مفهوم أساسي يعبر عن الانفصال اللانهائي للكائن، وأن اليهودي هو ذاك الكائن الذي يعيش هذا الانفصال اللانهائي.

تلك كانت المواقع النظرية التي انطلقت منها في كتابي حول المسألة اليهودية. ولنعد الآن لضرورة إدخال هذه المفاهيم إلى العالم العربي. إنني أرى أن هذا لا يخلو من فائدة، وذلك لأننا عندما نصارع في المستوى السياسي لا نزال نستعمل حججا لا تقوم على دعامة قوية، ونردد شعارات وتحليلات سطحية.

وحتى الآن يتجنب أغلب المفكرين في العالم العربي الحديث عن فرويد وعن التحليل النفسي وهم يعترفون بأهميته، ولكنهم لا يعتبرون أنه يعنيهم هم بالذات، وهكذا يتم الخلط في التحليل النفسي بشأن طريقة العلاج، وهي تقنية يمكن تأويلها وتكييفها حسب المواقع واللغات والبلدان. لكن لا ينبغي أن ننسى أن هذه الطريقة نفسها تدعونا إلى الإصغاء لآلام الغير. ولهذا أهميته، فباستطاعتنا إذن أن نطبق هذه التقنية ونكيفها حسب الظروف، ولست أرى مانعا في هذا. لماذا لا نصغي لألم الغير؟ لماذا لا تتعدد الآذان المصغية لهذا الألم في العالم العربي؟.

ثم هناك، إلى جانب هذه التقنية، فكر فرويد. لا أقول نظرية ومعرفة، وإنما طريقته في تأويل اللاشعور، وهي تصدق في مجالات متعددة، سواء في الفن أو في العلم أو في الفلسفة، مثلما أن الماركسية تأويل للقوى اللاشعورية التي تهيمن على التاريخ. إن إهمال اللاشعور ورفضه في العالم العربي شيء له دلالته. كما له جذوره التي تفسره. وباستطاعة التحليل النفسي أن يكشف عن المكبوت في الوجود العربي، لكن العرب يشعرون بخطورة التحليل النفسي. غير أن الكائن العربي يهاب الحديث عن نفسه، وهو يفضل الحديث عن الغير أو الصمت.

1981*

* روائي وعالم اجتماع مغربي «1938 - 2009»