وقد يتبادر للذهن أن الطريقة الطبيعة، بل الوحيدة، لضبط هذا التأثير هو تناول جميع النماذج الأدبية التي تطرقت إلى موضوع فلسطين بشكل من الأشكال، ودراستها بالمنهج المناسب لتكوين صورة واضحة عن مواقع التأثير وتجلياته مضمونًا وشكلا وفكرًا ورموزًا.
من المؤكد أن هذا النوع من التناول يبقى ضروريًا رغم محدوديته، وبخاصة إذا مازج ما بين نهجين في التحليل من جهة نهج التتبع التاريخي لتطور هذه العلاقة «أي الدراسة الدياكرونية»، ومن جهة ثانية النهج التزامني «الدراسة السانكرونية»، والذي يقوم بعملية تشريح لفترة محددة «فترة السبعينيات مثلا» فهو تشخيص هذا التفاعل ورصد تجلياته الآنية، لكن المشكل يبتدئ عندما تريد الاكتفاء بهذه الحصيلة، واعتبارها خلاصة القول في الموضوع.
أعتبر شخصيًا، أن المسألة أعقد من ذلك أن عملية جمع النصوص حول فلسطين وإدخالها في الأسيجة النقدية المناسبة لا تكفي وحدها لتبيان مجمل العلائق والتفاعلات التي تربط الأدب المعاصر بقضية أصبح لها طابع المحورية في الوعي العربي وفي الصراع السياسي الفكري الحضاري، الذي تخوضه الشعوب العربية بمختلف فئاتها ضد العدوان والتشريد ومخطط إبادة الهوية الممارس عليها من طرف الصهيونية والإمبريالية.
هذا يعني أن التفاعل والتأثير الذي تريد ضبطه، لا ينحصر في الأعمال الأدبية التي تطرقت إلى موضوع فلسطين، بل يتجاوزها ليشمل جوانب أخرى قد تكون في صميم خاصيات الأدب العربي عامة، من هنا فالسؤال الذي يجب طرحه لم يعد يقف عند إشكالية من نوع صورة فلسطين في الأدب، بل يتعداها ليطرح الإشكالية التالية كيف تتشكل فلسطين بكل ما لهذه الكلمة من أبعاد وشمولات كقطب ثابت أو بالأحرى كرافد من الروافد التي تلعب دورًا في هيكلة المخيلة والصوت، والقضاء ومنطق الإنتاج الرمزي وكل العناصر الأخرى التي يتفرد بها الأدب المغربي؟، عندما تقلب المعادلة هكذا تتبين لنا بشكل أوضح ميادين البحث والمقارنة التي يفرضها الموضوع.
وهنا نصطدم بمشكل آخر، وهو ضآلة التراكم المعرفي والنظري حول عنصري موضوع البحث؛ أي من جهة فلسطين كقضية تحرر وطني، ولكن أيضاء وأبعد ذلك، كعمق تاريخي حضاري كفاجعة عربية وإنسانية، كجدلية للموت والانبعاث، كعلائق نوعية بالأرض والجذور بهول الكون الطبيعي والبشري، كانفصام في الذاكرة والجسد، كتيه داخلي وعلى وجه البسيطة، كصوت له غنائية الدم وعنفوان الأمل، كضحكة مدوية تنبعث تحت الأنقاض لتنفجر البشاعات والهمجية، كل هذه الخاصيات التي استطاع الأدب الفلسطيني أن يعبر عنها برسائله الخاصة، دون أن يرافق ذلك مد نظري ينفذ إلى أعماقه.
1982*
* كاتب مغربي