يستغرقني الضحك وتشرق عيناي بالدموع كلما سمعت عبارات التباهي بالحالة اليمنية واعتبارها نموذجاً قابلاً للاحتذاء في أوضاع عربية أخرى، إشارة إلى إمكانات التغلب على كوارث نظام بشار الأسد.
ترى هل فعلاً غدا اليمن منتجعاً للحلول السحرية وصار في حكم الثابت نجاعة الوصفة الطبية المعتمدة لمعالجة أدوائه واستئصال الأورام الخبيثة في جسده المثقل بأعباء الصراع وفيروسات الاستبداد والفساد؟
وماذا عن الدول الخمس الضامنة مسؤولية إنفاذ مبادرة الأشقاء الخليجيين ومتى ستدرك خطورة فخاخ الثقة التي نصبت أمامها؟
بيد أن السؤال الأهم.. لماذا قرر العالم وحكوماته حرق أرشيف علاقتها بنظام الحكم خلال 33 عاماً مع علمنا الوثيق بأنها مجتمعة أو فرادى تملك استخلاصات متطابقة حول طريقة نظام (الممانعة) في إدارة مقاليد السلطة وكيفية تعامله مع دولاب الملفات الشائكة؟.. هذا على الصعيد الداخلي حيث الإفقار الممنهج للشعب والأمية المخطط لها كسياسة رسمية، علاوة على مئات الفصائل من الثعابين السامة التي تنمو في جراب الحاوي ليطلق كل يوم دفعة جديدة منها لرهاب المجتمع ولدغ قواه الوطنية وطلائعه السياسية والفكرية.
أما على صعيد سياساته مع دول ومنظمات العالم فإنها لم تكن أفضل حالاً من ملهاته الداخلية، إذ لا تستطيع حكومة من حكومات العالم العثور على شاهد حال ينم عن مصداقية تعامله أو حسن نواياه إزاء قضية إجماع دولي أو موضوع التزام إنساني أو في أسوأ الحالات اتفاق عمل ثنائي يكرس لخدمة اليمن ورقيه.
فلماذا لم تستيقظ ذاكرة العالم وتفيد من تجاربها الطويلة مع موروث خلعته الجماهير وأبقت عليه التسوية نصف حاكم لكن بنفس جرابه المنتج للزواحف السامة من كل لون وخاصية وماركة ونوع..؟ وإذا كان الزهايمر المعولم سياسة دولية فهل من الكياسة مكافأة الأسد أسوة بنظام صالح!!
حقاً بذل الأشقاء في دول الخليج وسعهم وتجشموا الكثير من المتاعب واحتملوا قدراً هائلاً من المشاق طوال الفترة الماضية وذلك حال أصدقاء اليمن أيضاً، ولم يكن النظام السابق وهو يناور تارة ويكابر طوراً ويمكر في معظم الأحايين مكترثاً لحال اليمن ولا عابئا بمصداقية التزاماته أمام الخارج كدأبه في كل حال وحين.
وإلى معرفتنا حقائق الواقع فإن الذي منعه من مواصلة إزهاق الأرواح ليس وازع الدين ولا تأنيب الضمير قدر ارتباط تداعيات المواجهة بعوامل ردع كونتها القوات العسكرية المساندة لثورة التغيير، وعززها الشرفاء من الواجهات الاجتماعية والقبلية خلال ممارستهم حق الدفاع عن النفس،
بيد أن المبادرة الخليجية وما تمثله من حرص على الاستقرار ورأب الصدع أحدثت أثراً بالغاً على معادلات الصراع؛ إذ استقبلتها المعارضة بروح الجنوح إلى السلم فهدأت ثائرة الساحات وخمدت بعض ألسنة اللهب الشعبي العاصف إيثاراً لمصلحة اليمن وتقديراً لمكانة ودور الأشقاء، على حين كان النظام الموشك على السقوط بداية الثورة قد التقط أنفاسه وغدت بلايين الدولارات تجري بين يديه ومخازن السلاح السائب تنثال أمام ناظريه في ظل بيئة يتزاحمها الفقراء.
وفوق هذا وذاك فهو أمّن نفسه بحصانة مسبقة واحتفظ لأصابعه بالبقاء على زناد أهم المكونات العسكرية الضاربة بقيادة أقاربه والخلّص من تابعيه، مدخراً روسيا والصين لمنطق العدالة والمساواة في توزيع حدبهما بين الطغاة.
يلزمني المزيد من الاستغراق في الضحك لما يتردد عن احتمالات الأخذ بالتجربة اليمنية إلى مواطن أخرى بينما يذهب آخر تقارير المبعوث الأممي السيد جمال بن عمر إلى التحذير من هشاشة الوضع وخطورة الخروج على قرارات الرئيس عبدربه منصور هادي.؟
عموماً لم يكن اليمنيون بحاجة لشيء مثل حاجتهم إلى ترسيخ هيبة الدولة، تلك مشكلة اليمن وقاصمة ظهره مذ أمد بعيد، وما دام الأمر كذلك فكيف نعتبر التسوية نموذجاً وقرارات الرئيس المنتخب والمجمع عليه وطنياً وإقليمياً ودولياً لا ترى النور دون ولادة قيصرية، كما أنه ما فتئ يمارس مهام الحكم على شاكلة موسى بن نصير قبيل مقولته المدوية "العدو أمامكم والبحر من خلفكم" وكون الرجل لم يحرق زوارق الإبحار فذلك لا يحول دون رؤيته محارباً صعب المراس إذ جاء صعوده إلى كرسي السلطة مثل أي فدائي تلوح أمامه بشرى الانتصار وكل الرماح مصوبة نحوه..وفي آخر بروفات العيد الوطني 22 مايو كان هادي يستقبل رسائل الموت الجماعي الذي يحصد عشرات الأبرياء من غير أبناء النائحة المستأجرة!!
ترى.. كيف للرئيس اليمني أن يقطع مسافة الألف ميل خلال عامين ويحافظ على وحدة البلاد إن كان العالم غير قادر على فك الشفرة ولا معرفة سر اختيار محافظة أبين - موطن رأس هادي - مقراً للقاعدة وممراً للابتزاز.
وهنا نسأل..إلى متى يظل الشعب اليمني رهن مخاوفه من قراميد الماضي.أليس القتل في سورية والفزع الدائم في اليمن صنوين..أليس الأسد وصاحبه توأمين!!
إن وضع اليمن يستدعي وقفة جادة تعمل على تأمينه من بعض القيادات الفاسدة التي تذكي الأحقاد في أوساط أبنائه وتعمل مخالبها في جسده المثخن بالجراح.