يكاد يحصر عدد غير قليل من دارسي الأدب العربي، من عرب ومستشرقين، بداية نشوء أدب المقامات بمقامات بديع الزمان الهمذاني، الذي عاش في القرن الرابع للهجرة، بينما يذهب بعضهم، ومنهم الدكتور زكي مبارك، إلى بدايته في القرن الثالث للهجرة، ناسبا إلى ابن دريد أنه أول عمل من هذا الضرب من ضروب الأدب. كما عثر على ذلك في بعض كتب الأدب العربي القديم. ومن الكتاب المتأخرين ممن مارسوا الكتابة في أدب المقامة الشيخ ناصيف اليازجي، الذي ولد 1800م وتوفي في 1871م، وكان في أسلوبه ملتزما بما ورث عن الهمذاني والحريري من نسج أدائي في رواية الأحداث وبناء الجمل، حتى رسم شخصية البطل.

وتكاد المقامة أن تكون لونا من ألوان القصة لولا أن كاتبها لا يولي اهتماما لتطوير الحدث على ما هو مألوف في أدب القصة، ولولا جنوحه إلى اصطناع البراعة اللغوية، وإبراز تمكنه من أدائيته البيانية إلى حد يضيع فيهما أحيانا وضوح القصد من الحدث، وكأن الغاية ليست أكثر من تأكيد تلك البراعة والأسلوب البياني المملوء بالزخرفة اللفظية.

وهناك شخصيتان في الأدب العربي احتكرتا الأهمية المتزايدة في هذا المجال الأدبي، وهما الهمذاني والحريري. وقد ولد الأخير في البصرة 1054م وتوفي فيها 1122م، ويعد من أعلام مدرسة البصرة ومن كتابها المقلدين، وكان موضع احترام أهلها، لفرط ذكائه وفطنته وفصاحة لغته.


وعلى الرغم من أن أبا القاسم بن علي الحريري قد ترك تصانيف أدبية عديدة، فإنه لم يشتهر إلا بمقاماته التي لا تزال تتناقلها كتب الأدب العربي، وهو ينسج في مقاماته على منوال الهمذاني، معتمدا شخصية الراوي، واسمه في مقاماته «الحارث بن همام»، الذي أوكل إليه القيام بسرد مغامرات بطل المقامات «أبو زيد السروجي»، وهو كبطل مقامات الهمذاني ممن يحترفون الكدية، فيصور لنا عبر خمسين مقامة صورا مختلفة للظروف التي مر بها بطل المقامات بأسلوب ساخر حينا وجاد حينا آخر. إلا أن طغيان التكلف على مقامات الحريري قد ذهب ببعض رونقها، وكذلك ميله الشديد إلى الزخرفة اللفظية والتنطع في إقامة جملة، وتأكيد الصناعة تأكيدا مبالغا فيه.

1995*

* شاعر وكاتب عراقي «1926 - 1996»