الصبر ليس مهاد الذات، وامتحان نعومة أو صلادة الكائن أمام مستحيلات الحياة وقهرها، وحس الانجراح التعيس وإخفاقات العمر وسطوة الزمن الضاغط واستطالته الملموسة فقط، ولكن الصبر محرك أيضا لجوهرانية الشعوب عندما تشهر الفجيعة مخالبها المختزنة، وتعتمر حوافها سحنة المرارة وتوثبات الحدث المتعاظم، فتلجأ إلى الصبر كمبعث قوة ومصدر حركة واستنهاض، وكمؤثر ومحرض حياتي في بعده الدلالي والإشراقي، فهو سلوك إنساني نبيل ومشحون بكم هائل من النواتج والسياقات ذات النص المنطوق والمتعلق بطبيعة الإنسان التكويني وانتمائه الأرضي فيتحول مع الصبر إلى شرفة من الأمل وسلال من تبتل الروح ومستقر لمدارات الشموس. الإنسان العربي الأول سفح عمره في صراع مع وعورة دهره، ويباب تخومه وسديم رمله القاحل، فدخل معها في مغامرات أزلية وعذابات تاريخية جعلته يكسر فضاءه المغلق ويؤسس لحظته الشعرية، ليختلط الجسد بماء الغناء الحي وليضج المكان الموحش والغامض بكل موجوداته فيتحول إلى بعد جمالي في مظان الحس الإبداعي، وليفصح عن إيحاءاته وهواجسه بما تختزنه ذاته النفسية والجسدية والذهنية، فهي ترفض الانحباس داخل مخبوء ذاتها، حينها وجد أن "الصبر" دلالة قيمية ذات فعل وقور، وحضور تجسيدي لا متناه، فسعى لإفراغ ذلك الفضاء من حدته الضدية ليتسامى بخطابه المتعالي وقدرته الإدراكية، لقد تكيف الإنسان العربي وبالذات "ابن الجزيرة العربية" مع المستحيلات والإكراهات فبهرها بصبره وجَلده فتنامت سيادته وتعالت أخلاقه وأطلق مكبوتاته شعراً ونثراً وبطولةً، واستنطق واقعه وأنعشه بطفراته المغناة ومعماره القولي وأفعاله الجسورة، فتحولت كلمة "الصبر" بحمولتها وظلالها الكثيفة إلى معنى فلسفي ومعرفي وقيمة دينية عليا ومنهج سلوكي قويم، فقد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن الكريم في نيف وسبعين موضعاً وفي رواية تاريخية عن تمثل العرب واعتزازهم بالصبر تقول: "شهد مجلس كسرى اجتماع ملوك الأمم يوم ذاك فكل عرّف بقومه مفاخراً بما هم فيه وكان النعمان ملك الحيرة في جملة الحضور فسئل أن يعرّف بقومه فقال: قومي العرب أهل العزة والمنعة لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر".. ولم يستطع الشعر العربي الفكاك من ذكر الصبر وحضوره واستثماره ومفاعيله، وقد اطلعتُ على بحث ودراسة وثائقية للأستاذ فيصل الجرف جمع فيه ما قالته العرب في الصبر شعراً ونثراً سواء في الجاهلية أو الإسلام، يقول الشاعر: ولئن تصبك مصيبة فاصبر لها/ عظمت مصيبة مبتلٍ لا يصبر.