لقد قيل في الموت ما قيل في اليقين، وبأنهما حقيقة ولنا منها نصيب وحظ، وأنا الآن أقف على حقيقة مفادها موت أمير الأمن والأمان، درع الوطن الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، صاحب السمو الملكي الأمير الإنسان نايف بن عبد العزيز آل سعود.
امتزجت مشاعر الأسى والحزن بأحاسيس الفخر والاعتزاز وأنا أشاهد جنازة هذا البطل. الحزن والألم على فراقه، والفخر والعزة لانتمائي لأرض أنجبت لنا هذا الرجل العظيم.
لقد كان بطل الكلمة والحق، كان سيفاً عدلاً لم يقبل أي تنازلات تجاه الدين والوطن والقيم، إن حياة هذا الأمير العظيم ليست موقفاً واحداً أو حادثة واحدة، بل حياته تاريخ حافل بالإنجازات العظيمة، فقد بدأ مسيرة التميز منذ تعيينه وكيلا لإمارة الرياض عام 1371هـ، كرس حياته من بعدها للعمل من أجل الوطن ومن أجل الدين، واجتهد ليعم السلام والخير والأمن والأمان أركان هذا الوطن الغالي على قلوبنا.
تذكرت وأنا أشاهد جنازة هذا البطل كيف كان يسعى لحفظ أمننا وأماننا، كيف وقف في وجه الظلم والتطرف، كيف سعى في دحر الإرهاب واجتثاث الإرهابيين من جذورهم وتدمير كل خططهم ووسائلهم، وبنفس الوقت أنشأ برنامجا لتأهيل الموقوفين بقضايا إرهابية ينقسم إلى قسمين: أولاً مناصحتهم قبل المحاكمة، والثاني رعايتهم بعد قضاء المحكومية، ويشمل تأهيلهم النفسي والعملي لإعادة دمجهم في المجتمع.
تذكرت وأنا أشاهد جنازة هذا البطل، كيف أنشأ برنامج لدراسات الأمن الفكري، إيماناً منه بمبدأ أن الأمن الفكري مقدم على الأمن الحسي، ويختص البرنامج بدراسة الفكر الذي يهدد سلامة المجتمع واستقراره، وتحصين فكر أبناء المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة المهددة لأمنه وازدهاره.
تذكرت وأنا أشاهد جنازة هذا البطل، مقولته في مؤتمر أعمال الدورة الثانية والعشرين لمجلس وزراء الداخلية العرب في تونس عام 2005 حيث قال: "من هنا أيها الإخوة يكون أخطر ما في الأمن هو الإحساس بالأمن نفسه، فليس الأمن أجهزة وإمكانات لمكافحة المؤثرات على الأمن فحسب، وليس الأمن مؤسسات العقاب والإصلاح فقط، ولكنه أيضا وفي المقام الأول شعور بالأمان، ذلك أن عدم الشعور بالأمن يجعل الإنسان يفقد بكل بساطة معنى الحياة ومشاعر السعادة والاستقرار، ومن هذا المنطلق فإن من الواجب الحفاظ على هذا الإحساس بالأمن لدى المواطن العربي وعدم الإخلال به حفاظاً على أمن الفرد وسعادته".
تذكرت وأنا أشاهد جنازة هذا البطل، ذلك الكيان العلمي المتمثل في الجامعة العربية التي أسسها - رحمه الله - للعلوم الأمنية، وتعد مؤسسة علمية ثقافية أمنية ذات شخصية اعتبارية لها جهود في مجالات عدة، تشمل مكافحة الإرهاب والإجرام المنظم، ومكافحة الاتجار بالبشر، وأيضاً في مجال الرعاية الاجتماعية وقضايا العنف الأسري وحقوق الإنسان.
تذكرت وأنا أشاهد جنازة هذا البطل، تبنيه لجائزة عالمية عن السنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، ابتغى فيها الأجر والثواب من الله جل وعلا وصرف عليها من حسابه الخاص.
نعم لقد كنت بطلاً في الحق، وكنت فخر الأمة الإسلامية عامةً، وفخر أبناء وبنات هذا الوطن خاصةً.
نعم إننا لفراقك يا نايف لمحزونون، ولكن ليس بيدنا شيء سوى بضع كلمات عسى أن تخفف على قلوبنا المثخنة بجراحات الفراق، وتساعدنا أن ننظر إلى جمال من رحل وليس ألم رحيله، فليس هناك بد من الصبر إن الله يحب الصابرين، رحمك الله يا نايف وأسكنك فسيح جناته.