تحدثنا في مقالات سابقة عن عقيدة وحدة الوجود، وعن مدى تأثيرها العميق جدًا في الفكر الغربي، لدرجة أننا نستطيع القول إن تأثيرها في شعوب القارة الأوروبية قد يعادل تأثير الديانة المسيحية. ويمكن اختزال الصراعات التاريخية بين الفلاسفة ورجال الكنيسة في دائرة النزاع بين عقيدتين تؤمن إحداها، وهي عقيدة وحدة الوجود، بأن الكون هو الله، والله هو الكون، بمعنى آخر: الله ليس منفصلًا عن الكون بل موجود فيه. وحسب هذه العقيدة فإن الله يسكن كل شيء. وهذا ما يتعارض مع العقيدة المسيحية التي تؤمن أن الكون ليس أبديًا بل خلقه الله من العدم والله خالق كل شيء ومنفصل عنه.

ففي فيلم حرب النجوم (Star Wars) أحد أشهر الأعمال السينمائية في الثقافة الغربية، التي امتد تأثيرها وانتشارها ليس على مستوى أفلام السينما وحسب، بل تجاوزه لمجال كتابة القصص والروايات وإنتاج الأفلام الكرتونية والقصص المسلية للأطفال وصناعة ألعاب الفيديو. فلا يكاد يخلو مجال من مجالات التسلية والترفيه في الثقافة الغربية من تأثير سلسلة أفلام حرب النجوم.

لا يمكن اقتصار سلسلة «حرب النجوم» في حيز التسلية والخيال العلمي، فهناك جوانب روحانية ودينية يتضمنها الفيلم، فقد استعار المخرج جورج لوكاس موضوعات دينية وأساطير يونانية يمكن تمييزها بشكل مباشر ذات ارتباط وثيق بعقيدة وحدة الوجود. نلاحظ في أحداث الفيلم تسليط الضوء على فكرة (القوة) وهو مجال طاقة يتكون بواسطة جميع الكائنات الحية ويحيط بنا ويخترقنا جميعًا، بل ويربط كامل المجرة بعضها ببعض، يستخدمها فرسان الجيداي في الفيلم لتنفيذ أعمال خارقة للطبيعة.

القوة (The Force) المشار لها في الفيلم ليست قوة ذاتية، إنها طاقة تتدفق عبر الأشياء مرتبطة بكل الكائنات الحية ما يعني أن الحياة كلها تحوي شرارة إلهية لأن الكل يتكون في الأساس من جوهر وكيان واحد مترابط. وهذا هو لب أفكار وحدة الوجود. قد يعتبرها بعض القراء مسألة عادية لا تستدعي الاهتمام. فمع أن الفيلم يقدم موضوعًا تثقيفيًا وتعليميًا يكشف لنا عن نسق الأفكار المهيمنة في الثقافة الغربية ولكن الاستجابات تجاه العمل الفني ليست متساوية وبالتالي لا يمكن التعامل مع كل الأفلام باعتبارها صديقة للعائلة أو أنها مجرد تسلية غير ضارة، فبعض الأعمال السينمائية تتضمن رسائل دينية لها أتباع متعصبون.

فكرة وحدة الوجود ليست فكرة عابرة أو هامشية، فهي الفكرة المحورية للفلسفة، ومن أجل الدفاع عنها أقام الفلاسفة صرح فلسفتهم ونافحوا عنها وتعرضوا للاضطهاد والنفي وتلقوا التهم بالهرطقة والزندقة. وكما ذكرنا في مقالات سابقة بأن تراث الحضارة الإسلامية قد تعرض لموجات الفلسفة وعقيدتها الرئيسة -وحدة الوجود- ولم تكن مبادئ الدين الإسلامي بمأمن من هجمات أتباعها المتعصبين، لذلك نجد أن فكرة (قدم العالم) قد أخذت حيزًا كبيرًا من الاهتمام والدراسة، وأشغلت الفقهاء في محاولة لدحضها والكشف عن تهافتها. فالكون كما وجدناه في فيلم حرب النجوم يتصف بأنه إلهي وبما أن الكون إلهي فإنه أبدي وأزلي وقديم، وبالتالي فهو غير مخلوق من العدم. هذه الفكرة أثارت القلق والخوف لدى الفقهاء العرب وجعلتهم يرفضون الفلسفة ومنطقها ومناهجها باعتبارها النتاج الفكري الضخم للدفاع عن فكرة وحدة الوجود.

انحسر تأثير عقيدة وحدة الوجود في المجتمعات العربية مع تعاقب الأجيال والقرون، فتأثيرها يبدو ضئيلًا في النسق الفكري العام ولكنها في الثقافة الغربية استمرت في فرض وجودها حتى يمكن القول بأنها تملك تأثيرًا موازيًا للديانة المسيحية في القارة الأوروبية. والصراعات الفكرية القديمة بين الفلاسفة ورجال الكنيسة كان لعقيدة وحدة الوجود دور مهم في إثارتها وتوسيع نطاقها. وصل الحال لتعرض اتباع عقيدة وحدة الوجود لمحاكم التفتيش، فقد أعدمت محكمة التفتيش الرومانية الكاثوليكية جوردانو برونو لإعلانه وجهات نظر مؤيدة لفكرة وحدة الوجود وقررت قيادة الطائفة اليهودية في أمستردام طرد الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا لتهم مماثلة.

حققت أفلام حرب النجوم تأثيرًا ملحوظًا في ملايين الأشخاص حول العالم بفضل مؤثراتها المذهلة وشخصياتها النموذجية وقصصها الملحمية، فضلًا عن نجاحها على مستوى صناعة الأفلام وتحقيق العوائد التجارية ولكن نظرتنا للعمل الفني يجب أن تراعي مسألة تكامل المحتوى، وهنا نقصد المضامين الدينية ذات الأثر العميق، والمسألة الأهم بالنسبة لنا: كيف نتعرف على ثقافات الشعوب ونسق الأفكار المحدد لثقافتها من خلال الأعمال السينمائية والفنية.