لاحظوا أن اسم الرئيس التنفيذي لمصنع الجنوب لحديد التسليح هو المهندس فهد العنزي. وأنا في غاية السعادة أن أجد مواطنا سعوديا من أقصى الشمال على رأس منشأة تنموية في أقصى الجنوب، لأن أجمل لوحات الوحدة الوطنية هي تلك التي تتماهى فيها الوجوه، ويختلط فيها العرق والأعراق من شتى الجهات والمشارب.

صلب مشروعي مع الكتابة، وخارجها أيضا، فيه هذا الخيط الرفيع الذي يربط دعوتي الدائمة إلى توزيع وطني شامل وعادل لمشاريع التنمية المختلفة.

وفي حديث المهندس فهد العنزي للزميلة (الشرق) بالأمس ما يشير إلى أشياء من هذه البشائر. جاء مكلفا برئاسة المصنع الضخم وكانت هذه أول زيارة له لكل الجنوب. تحدث عن أيام البدء في صحراء مقطوعة على ساحل منطقة جازان بلا ماء ولا كهرباء أو طرق ثم تحدث عن بدء الإنتاج في مدينة جديدة مصغرة.

تحدث المهندس عن ثلاثة آلاف وظيفة سيحدثها المشروع الضخم وعن استثمارات وطنية مختلفة من القطاعين العام والخاص ستصل خلال سنوات قليلة قادمة إلى 45 مليار ريال.

هذه الأفكار الجميلة لا تشيد مجرد مصنع للحديد، بل تخلق من حوله بنية اجتماعية وثقافية في مجتمع حضري صناعي واعد.

المشروع هو نواة مدينة اقتصادية ستكون المدينة الحقيقية الأم للآلاف من أبناء منطقة كاملة.

والمشروع لوحده سيستقطب في القادم من الزمن 300 مهندس سعودي، وهو رقم يكفي لاستيعاب الخريجين من مهندسي جامعة المنطقة.

وأنا أعتقد أننا بمثل هذه الإضاءات لا نحارب التكدس الاستثماري في أماكن محددة من قبل فحسب، بل نفتح نوافذ جديدة في جسد الاقتصاد الوطني الضخم. وخذ بالمثال أن الاكتفاء الوطني من الحديد لوحده يحتاج لعشرين عاما بحسب تصريح المهندس.

المصنع لم يبدأ بعد ومع هذا فهو عاجز عن تلبية الطلبات المتراكمة لديه. وفي المقابل تشير التقديرات المتحفظة إلى أن استثمارات رجال أعمالنا في الخارج تفوق اليوم ـ الترليون ـ وهناك أرقام تتحدث عما يفوق هذا الرقم، وأنا على ثقة تامة أن إعادة توجيه ربع هذا الرقم إلى الاستثمار المحلي لن تثمر عن مكاسب هائلة للمستثمر فحسب، بل ستخلق فرصا جديدة وتفتح آلاف الوظائف وتستوعب ملايين الشباب في حياة كريمة. أنا أعرف جيدا تاريخ الصحراء الساحلية التي يتحدث عنها فهد العنزي، مثلما أعرف اليوم واقعها الذي يتحدث عن (قفر) سابق سيتوعب في الغد 3000 آلاف أسرة. صورة ذات الصحراء بين عامين فقط تكفي لعشرات الأفكار المماثلة.